قراءة تأملية لرواية( الاصدق لهجة)

للأديب حميد الحريزي

 

بقلم سحر حسبت الله

لا يمكن قراءة ( الأصدق لهجة ) للكاتب حميد الحريزي بوصفها عملاً سرديًا تاريخيًا يعيد تمثيل سيرة أبو ذر الغفاري فحسب، بل ينبغي النظر إليها كمشروع أخلاقي وجودي يسائل العلاقة بين الفرد والسلطة، بين الضمير والجماعة، وبين الحقيقة وكلفتها .

الرواية لا تعيد إنتاج الماضي بقدر ما تستدعيه بوصفه مختبرًا أخلاقيًا، تُجرى فيه تجربة قاسية على مفهوم الصدق حين يتحول من قيمة مثالية إلى موقف يترتب عليه العزلة والخسارة.

منذ الصفحات الأولى، يبني النص فضاءً خارجيًا شديد الوضوح:

صحراء ممتدة، رجل على تخوم نهايته الجسدية، زمن أولي يبدو بعيدًا عن تعقيدات الحداثة ، غير أن هذا الخارج ليس غاية في ذاته؛ إنه إطار تمهيدي لحركة عكسية تتجه نحو الداخل ، فالرواية تنسحب تدريجيًا من المشهد الصحراوي المفتوح إلى منطقة أكثر ضيقًا وحساسية:

الضمير ، وهنا يتحول السرد من إعادة وقائع إلى تفكيك بنية نفسية، ومن متابعة حدث إلى مساءلة موقف.

تُعيد الرواية تعريف البطولة بطريقة لافتة ، فالانتصار العسكري أو الاجتماعي لا يحتل مركز الثقل، بل تحل محله قدرة الإنسان على الاتساق مع ذاته في لحظة تتكاثر فيها الإغراءات والضغوط ، البطولة هنا ليست فعل هيمنة، بل فعل مقاومة هادئة ، ليست صخبًا، بل ثباتًا طويل النفس ، وبذلك تخرج الشخصية المركزية من إطار الأسطرة التقليدية لتصبح حالة إنسانية قابلة للقياس الداخلي؛ معيارًا أخلاقيًا أكثر منها رمزًا تاريخيًا.



الصدق، في هذا العمل، لا يُطرح كفضيلة تربوية أو شعار وعظي ، إنه يُقدَّم بوصفه حالة وجود ، أن تكون “الأصدق لهجة” لا يعني أن تقول الحقيقة فحسب، بل أن تتحمل تبعاتها كاملة ، الرواية تقترح أن الصدق ليس حدثًا لحظيًا، بل مسارًا متصلاً من الخسارات الصغيرة:

خسارة رضا الجماعة، خسارة الأمان، خسارة الامتياز، وربما خسارة المكانة ، ومع كل خسارة، يتضح ما إذا كان الإنسان متمسكًا بالحقيقة أم متمسكًا بصورة نفسه أمام الآخرين.

اللغة تلعب دورًا حاسمًا في تثبيت هذا البعد فهي تتأرجح بين نبرة تأملية شفافة ونبرة صلبة في لحظات المواجهة في مشاهد العزلة، تبدو العبارة مشبعة بالهدوء، متجهة نحو الداخل، كأنها تبحث عن يقين يتجاوز الصراع الظاهري أما في لحظات الاحتجاج، فتصبح اللغة أكثر كثافة، وأقل مجازًا، وأقرب إلى الحجر الذي يُلقى في وجه الظلم. هذا التناوب بين الشفافية والصلابة يمنح النص توتره الجمالي، ويمنعه من الانزلاق إلى خطاب أحادي النبرة.

من الناحية الفكرية، يمكن قراءة الرواية ضمن تقاطع بين النزعة الروحية والنقد الاجتماعي ، فهي لا تنفصل عن العالم باسم الزهد، بل تنتقد العالم باسمه. الزهد هنا لا يُفهم كانسحاب، بل كرفض لمنطق التراكم والاستئثار ، إنه موقف سياسي بقدر ما هو روحي ، حين تُطرح مسألة المال والسلطة، لا يُناقش الأمر بوصفه اختلافًا فقهيًا أو تاريخيًا، بل بوصفه سؤالاً أخلاقيًا دائمًا: ما حدود امتلاك الفرد حين يتحول الامتلاك إلى أداة إفقار للآخرين؟

تُقدِّم الرواية أيضًا معالجة دقيقة لفكرة المنفى ، المنفى ليس نهاية المسار، بل ذروته الأخلاقية حين يُنتزع الإنسان من مركزه الاجتماعي، يُختبر مدى ارتباطه بالمبدأ الذي يدافع عنه في غياب الجمهور، تسقط الزوائد البلاغية، ويتبقى السؤال الجوهري:

هل كان الموقف من أجل الحقيقة أم من أجل الاعتراف؟

هنا يتحول النفي إلى مساحة تعرية قاسية، لكنها ضرورية لاكتمال الدائرة ثمة عنصر آخر يمنح العمل عمقه، وهو حضور الزمن بوصفه شاهدًا أخلاقيًا، الزمن في الرواية لا يتحرك كإطار زمني تقليدي، بل كضمير يراقب، يقارن، ويكشف التناقضات وكأن النص يلمح إلى أن التاريخ لا يخلد الأقوى بالضرورة، بل الأصفى. القوة قد تملك لحظتها، لكن الصفاء يملك الذاكرة.

من اللافت أن الرواية لا تمنح القارئ منطقة حياد مريحة. فهي إما أن تُقرأ باعتبارها نموذجًا مثاليًا يصعب الاقتداء به، أو تُقرأ بوصفها مرآة مزعجة تعكس تنازلات الواقع المعاصر وهنا تكمن قوتها؛ فهي لا تُغلق الماضي في سياقه، بل تمد خيوطًا دقيقة إلى الحاضر ، السؤال الذي تطرحه لا يتعلق بما حدث آنذاك، بل بما يحدث الآن:

ما الذي نفعله حين تتعارض الحقيقة مع المصلحة؟ ما الذي نختاره حين تصبح الكلفة شخصية ومباشرة؟

في القسم الأخير من العمل، ومع اقتراب النهاية الجسدية للشخصية، لا يبني النص دراما مأساوية تقليدية ، الجسد يضعف، لكن الموقف لا ينكسر وهنا تُعاد صياغة مفهوم الخسارة ، فالرواية توحي بأن الخسارة الحقيقية ليست فقدان المكان أو النفوذ أو حتى الاعتراف الاجتماعي، بل فقدان الصوت الداخلي. الصوت هو جوهر الكينونة ، وحين يحتفظ الإنسان به، حتى في عزلة كاملة، يكون قد انتصر بمعنى مغاير للانتصار السائد.

بهذا المعنى، لا تقف الأصدق لهجة عند حدود السيرة أو التاريخ، بل تتحول إلى تأمل طويل في إمكانية أخلاقية نادرة:

إمكانية أن يبقى الإنسان وفيًا لذاته حين تتراكم أسباب الانحراف ، إنها رواية عن القرار أكثر مما هي عن الحدث، وعن الاتساق أكثر مما هي عن البطولة، وعن الصوت الذي يظل قائمًا حتى حين يسقط كل شيء سواه.



إنها، في جوهرها، دعوة غير مباشرة إلى إعادة تعريف القوة ، فالقوة ليست في امتلاك العالم، بل في عدم السماح له بأن يعيد تشكيل ضميرك على مقاسه وليست في أن تغيّر الآخرين، بل في أن تحافظ على وضوحك حين يضطرب كل شيء حولك ، وفي هذه المسافة الدقيقة بين العالم والضمير، تقيم الرواية سؤالها الأعمق:

ما الذي يتبقى من الإنسان حين تُسحب منه الامتيازات ويبقى وحده أمام اختياره؟

ربما لهذا تبدو الرواية، في نهايتها، أقل انشغالًا بالماضي وأكثر تعلقًا بالإمكانية ، إنها لا تفرض نموذجًا، بل تضع احتمالاً ، احتمال أن يكون الصدق ممكنًا، وإن كان مكلفًا ، احتمال أن تكون العزلة ثمنًا لا بد منه أحيانًا، واحتمال أن يكتشف القارئ، وهو يطوي الصفحة الأخيرة، أن السؤال لم يكن موجهًا إلى بطل بعيد في التاريخ، بل إليه شخصيًا.

اما عن أعمال حميد الحريزي لا يبدو التاريخ مادةً للتوثيق بقدر ما هو مساحة مساءلة يكتب بروح من يفتش في الماضي لا ليستعيده، بل ليختبر به الحاضر ، لغته تميل إلى الصفاء والوضوح، لكنها لا تخلو من شحنة فكرية تجعل السرد أقرب إلى تأمل طويل في العدالة والسلطة والإنسان ، في الأصدق لهجة يتجلى هذا المنحى بوضوح؛ إذ لا يقدّم شخصية أبو ذر الغفاري كبطل تراثي، بل كضمير حيّ يعاد استحضاره كلما اضطربت المعايير.

الحريزي ينتمي إلى ذلك النوع من الكتّاب الذين ينظرون إلى الأدب بوصفه مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون حرفة فنية، ولذلك تأتي نصوصه مشبعة بسؤال العدالة، ومتوترة دائمًا بين الواقع كما هو، والواقع كما ينبغي أن يكون.