في تلك الأيام التي تُهدينا فيها السماءُ دفئًا عذبًا.. وحين تتسلل أشعة الشمس بحنانٍ عبر ثنايا الغيوم او دونها.. حيث السماء الصافيةً الباسمةً، اعتدنا أن نغادرَ مسكننا قبل أن يبلغ الظهيرُ منتصفَ طريقه، متجهين سيرًا على الأقدام نحو ذلك المنتزه الواسع الذي لا يبعد الا مرمى حجر، أو أكثر بقليل عن البيت. نجلسُ على المساطب التي دأبنا ان نشغلها حين تكون خالية..
نحتسي قهوتنا ببطءٍ وتمهلٍ، كأننا نسعى إلى إطالةِ كل رشفةٍ حتى تدومَ اللحظة. نراقب الازهار والاشجار والعصافير التي تنط بين الشجيرات صعودًا وهبوطًا والأطفال المتنزهين اللذين يطاردونها بضحكاتهم الصاخبة.. منفلتين عن مراقبة ذويهم الذين يفترشون العشب..
نطالعُ، في تلك الأثناء، آخرَ مستجدات الاخبار العالمية، والألمانية منها على وجه الخصوص. نغوصُ في متونِها او نثير حوارًا حولها. أحيانًا نعودُ إلى صفحاتٍ كتابٍ تركناه مفتوحًا على صفحة فصلٍ ما، أو مقالةٍ أثارت فينا شجونًا يستدعي الاستكمال. نتبادلُ الأحاديثَ في شؤونٍها او شؤون أخرى شتى، نتفقُ أحياناً في الرأي حولها، ونختلفُ أحايين أخرى دون ان يفسد ذلك لمودتنا استدامة، بل ربما يزيدُ من عمقِ الصلةِ ويوطد ما بيننا.
هكذا تمضي الساعاتُ بين صمت وحوار، حتى تحين اللحظةُ التي تدفعُ بنا أقدامُنا لمغادرة مقاعدنا، للقيام بجولةً متأنية في أرجاءِ المنتزه الأخرى، تمهيدًا للعودَة إلى البيت مستأنفَين روتينَ يومنا المعتاد، لكن الصدفة - تلك القوةُ الخفيةُ التي تُدبّرُ خيوطَ الأحداثِ بإحكام- كانت قد أعدّت لنا في ذلك اليوم لقاءً مختلفًا.
في طريق عودتنا، كانت خطواتنا تنسج إيقاعًا رتيبًا فوق رصيف الأيام، حين انبثق من بعيد مشهدٌ لم يكن مجرد عابرٍ في الطريق، بل كان تجلّيًا للمكابدة الإنسانية في ذروتها.
رجلًا في خريف العمر، ضئيل الجسم بطيء الحركة يجر عربة تسوق بتان وفتور كأنه يدب دبيبًا لعظمة ثقلها بالرغم من الجهد الواضح الذي يبذله.
كان يصارع مسافة العبور بين رصيفين فوق أسفلت الشارع العريض، كأنه يمضي على حافةٍ واهنة بين ضفّتين من المستحيل.
كانت عربةَ التسوقٍ ممتلئة، وعجلاتها تئنُّ تحت وطأة ثقل ما تحويه، كما تئنُّ الروح تحت وطأة الأمانة، وفي ذراعه الأخرى يتدلى كيسٌ قماشي يفيضُ بالخضروات، التي كانت تتأرجح مع كلِّ خطوة راعشةٍ من جسده كأجراسٍ تنذر بخطر الانكسار الوشيك.
كانت مِشيته نشيدًا صامتًا من الإصرار.. يتكئ بكلِّ ثقل على قدمِه اليسرى، يرفعها بمشقةٍ ليغرسها في الأرض، ثم يحاول سحبَ شطره الأيمن ـ ذلك النصف الذي خذله الزمن واستعصى على الطاعة ـ سحبًا وئيدًا، كأنه يجرُّ قطارًا من حديدٍ صدئ، تعقبها محاولة استعادة التوازن فوق القدم الاخرى.. تلك الركيزة الوحيدة التي تحفظه من السقوط.
كان كأنه يؤدي رقصةً إيمائية مؤلمة بين كبرياء الإرادة وخذلان العضلات، رقصة خُلقنا لنؤديها جميعاً حين تضيق بنا السبل وتقل لدينا الحيلة.
حينها سكن ضجيج المحركات.. السيارات جميعها توقفت في خشوعٍ فجائي. انقبض صدري في تلك اللحظة انقباضةً لم تعد تخصني وحدي.. شعرتُ ببرودة في جانبي الأيمن وكأنني أنا من خذلني جسدي.
لم نتبادل الكلمات، بل قادتنا مروءة الروح لنهبَّ نحوه قبل أن يفقد توازنه وتتحطم قواه في منتصف الطريق أمام عيون الاخرين.
حين اقتربنا، تجلى المشهد بكلِّ جلاله القاسي: كان قدُّه النحيلُ يرتجفُ تحت وطأةِ التعب، وشعرهُ الأبيض الكثيف ينسدلُ كغيمةٍ فضيةٍ حزينة فوق جبينٍ تصبب عرقًا كأنما يُقطرُ ماء غيمة عابرة.
كفّه اليمنى كانت مقطوعةً كصفحةٍ مُزقت من كتاب عمره، وعلى جبينه ضمادةٌ صغيرة بيضاء تخفي جرحًا طريًا لا يزال ينبض بالألم.
كل ذلك مر خاطفًا وسريعًا حين تسارعت خطانا نحوه، كأن شيئًا ما خفيًا فينا قد استجاب لنداءٍ لا يُسمع. وإشارة لم تنتظر ولا رجاء يبلّغ.. كانت حاله أبلغ من كل سؤال وأعمق من طلب.
أمسك زوجي بمقود العربة المثقلة، وتقدّمتُ أنا لأحمل كيس الخضروات الذي أثقل يده حتى كاد يفلت منها. فعلنا ذلك بصمت وثبات.
اجتزنا بقية الشارع سوية، نحيطه بالمودة ونرعاه بالألفة.. كأنما انصهرت خطواتنا في إيقاعه المتثاقل، صرنا ثلاثتنا خطوة واحدة تعبرُ لُجّة الزحام.
وحين بلغنا ضفة الرصيف الأخرى حيث كان ينوي الوصول، وقف كجنديٍّ يستريحُ هنيهةً يسترد بها انفاسه قبل ان يزحفٍ من جديد، حينها خرجت من حنجرته تأتأةٌ مكررة لحرف "أي.. أي.."، كانت لغةً علوية تفوق بلاغة القواميس.. لغة شكرٍ لم تعتمد على الحروف بل على زفير الارتياح.
ابتسمنا له في صمتٍ مفعمٍ بالود.. ضحك ضحكةً خجولة وهو يشير بمرارةٍ واعتذار إلى نصفه الأيمن المشلول.
حاول بكرامةٍ شامخة أن يكمل وحده، لكن زوجي بادره بصوتٍ هادئ:
ـ " يا جارنا العزيز، الحقيبةُ أثقلُ من أن تُترك لساعد واحد.. إني بالكاد أستطيع سحبها، فكيف لك."
وأكدتُ بدورِي، ويدي تشدُّ على الكيس كأنني أشدُّ على جرحه:
ـ "سنمضي معك حيثُ تشاء، فنحنُ جيرانُ في هذه الدنيا الواسعة."
واصلنا المسير برفقته.. وهو يتحدثُ إلينا بتلك التأتأة التي صارت لنا "بيانًا"، نفهمُ منه مقصدهُ لا بآذاننا بل بقلوبنا. شارحا ومؤشرًا على ما فيه.
كان يستند إلى ذراعي بين الحين والأخر بثقةٍ تلامس حدود الأبوة.
في أحد المنعطفات الضيقة اشار إلى بيتٌ عتيق يختبئ فيه، ومتأتًْا بفرح الوصول. حين اقتربنا منه فتح الباب بمفتاحه، وما إن انفرج حتى تأتأ بروحٍ لهفةٍ.. كصخب طفولي كانما هو ينادي شخصاً ما في الداخل.. الامر الذي أدركناه حين أسرعت إليه امرأةٌ عجوز كالفراشة، تلقفته بلهفةِ المحب، بينما كانت عيناها تشكرنا بدمعٍ صامت.
كنتُ قد لمحتُ بين ثنايا مشترياته "باقة من التوليب ازهار الأحمر"، فدهشت:
أيُّ حبٍّ هذا الذي يدفعُ رجلاً يسحبُ نصفه المشلول بأناة ليتسوق، دون ان ينسى شراء الزهور لمن يحب؟
تركنا الأغراض أمامها، وقبل أن نستدير عائدين، خرج مرةً أخرى كأنما نسي أن يودّعنا بما يليق. توجه نحونا، صافحنا بيده الوحيدة مع تأتأة حماسية.
تركناه مودعين في هدأة بيته، واخذت معي الأسئلةُ التي عصفت بوجداني:
كيف لنا أن نمرَّ بوجع الآخرين دون أن ندرك أننا لسنا سوى مرايا لبعضنا البعض في هذا التيه الكبير؟ لقد عاد هو إلى بيته، وبقيتُ أنا أحملُ في صدري صدى خطاه ومعاني تأتأته، كأنني، منذ تلك اللحظة، لن أعد أمشي أبداً بقدمين كاملتين.
في طريق العودة، ساد الصمت بيننا، الا ان أفكارنا كانت تعيد شريط الاحداث التي خلفناها وراءنا منذ لحظات.. مستبدلين شخوصها بأسئلة القادم من الايام:
"ماذا لو كنا نحن في مكانه؟ هل سنجد من يمدّ لنا يداً؟"
نعم، فالخير في الناس باقٍ، كالنهر الذي لا يجفّ مهما نضبت منابعه.