جلست هي خلف مكتبها المتواضع في  الدائرة   وضعت مكتبها أمام النافذة بتعمد  ، تخفي في قلبها همسا لا يسمعه سواها تراقبه  عندما يحضر صباحا فهي تعودت  تسبقه في حضورها دائما . أحبته بصمت حبا خجولا لم تجرؤ ان تنطق به ، واكتفت بأن تراقب ابتسامته حين يلقي تحيته أو عندما يذكر لهم   مزحة  عابرة ،   تنهض مسرعة  لمساعدته  حين تجد مكتبه وقد تكدست فوقه ملفات العمل  كونها أقدم منه بهذه الدائرة . .

لم تنجح كل مساعيها ان تجذب انتباهه اليها . تعلقت روحها بضحكته بأحاديثه وبطريقة ادارته لعمله . كونه صادقا في تعامله مع الناس ويكره ان يؤجل عمله الى يوم آخر . نال احترام المراجعين أيضا  . لا تدري ما  سبب انجذابها  نحوه  ربما لكونها  تحمل نفس  صفاته اذن  كان انجذابها  اليه مبررا . والمصادفة الغريبة انهما من نفس برج الحمل . وحين أخبرته بتلك المصادفة  شعرت بإحساس غريب  لم تشعر به من قبل ..كأنها طفلة ترى الأشياء لأول مرة . ليتها قادرة ان تبوح بشئ من مشاعرها  . ولعل هذه النقطة تكون مفتاحا للحديث بينهما  . انفلتت من فمها جملة غير مترابطة بسبب ارباكها   أجابها  مع ابتسامة خفيفة على وجهه  وببرود تام  قال  : بأنه لا يكترث لمسألة الأبراج ويعتبرها ضحك على العقول الساذجة   .

حاولت ان تبوح  له  بهذا  التعلق  لكنها تتراجع في كل مرة  وتخاف ان يصدمها برده . أو ربما أنه يحب امرأة أخرى وتكون تلك الخطوة  انتقاصا لكرامتها كامرأة  . غالبت مشاعرها بهذا الصمت الدائم  ودون ان تخبر حتى  صديقتها المقربة

مضت سنتان كانتا كفصل طويل من الانتظار ، تخبئ في نظراتها له الف سؤال وسؤال  ، وتحلم ان يفهم  يوما  ما تخفيه عيناها  من حنين صادق تجاهه . .

لكنها استفاقت ذات صباح على خبر في الدائرة  هز كيانها  وصمتها   : نعم  ان  الرجل الذي اختاره  قلبها  قد  خطب  امرأة أخرى ، من خارج الدائرة وهي التي ارتدت اليوم فستانها الجديد وقررت ان تسأله عن ذوقها   بينما رأت زميلاتها يشاركن  بتوزيع الحلوى  . وامتلأت أروقة الدائرة بالتهاني والتبريكات  . دون ان  يعرف  هو  أن قلبا  بقربه قد تهشم تماما  ، وأن ابتسامتها في ذلك اليوم كانت ستارا يحجب انكسارها .

المحنة   غدت   أثقل من ان تحكى ، وأقسى من ان تنسى