قالوا: كيف نعبر وجع الآخرين دون أن نشعر به؟
كان نور ينهض كل صباح عند السابعة
يُعد فطوره البسيط: بيضة مسلوقة يضعها على شريحة خبز، ويأكلها بصمت مع كوب من الماء الدافئ، بعد أن هجر الشاي ظنًا منه أنه يترك أثرًا أصفر على أسنانه
طقوس صغيرة، لكنها تمنحه شعورًا بالسيطرة على يومه
في السابعة والنصف، خرج من البيت
كان صباح حزيران منعشًا؛ رائحة العشب والأشجار تعبئ الهواء، وتبعث في النفس شيئًا من النشاط
رفع نظره إلى السماء؛ زرقاء، لكنها ليست صافية تمامًا
غيوم متناثرة بدت كأنها سفن تبحر في بحر بعيد
داهمه إحساس غريب، كأن الأرض ارتفعت والسماء انخفضت
أغمض عينيه لحظة، فركهما، ثم تمتم
أنا هنا... ما زلت على الأرض
تنفس بعمق، فعادت رائحة العشب لتملأ صدره وتعيده إلى توازنه
أسرع في خطواته نحو كراج السيارة
كان الوقت يضغط عليه؛ لم يمضِ على عمله الجديد سوى أسبوعين، وكان حريصًا على إثبات التزامه أمام الإدارة
عمل نور في مؤسسة اجتماعية تقع في مدينة بري سمرة، تُعنى بمساعدة الشباب والكبار ممن يعانون مشكلات اجتماعية أو نفسية، وأحيانًا إعاقات جسدية
إلى جانب أعماله اليومية من تنظيف ونجارة وتحميل . كان يساهم بناءً على طلب الإدارة في مساعدة المستفيدين من خدمات المؤسسة
في أحد الأيام، وبينما كان مع زملائه، دخلت فتاة لا يتجاوز عمرها الخامسة والعشرين، تتكئ على عصا، وتتقدم بثبات عبر الممر
كان صوتها واضحًا وهي تسأل
من هو نور ضياء؟
التفتت الأنظار إليه
أما هو، فبقي مكانه، تعصف في داخله أسئلة متشابكة، بعضها منطقي وبعضها الآخر غامض
اقتربت منه وقالت بهدوء
أرسلتني ماريا. قيل لي إنك ستساعدني في التعرف على المطبخ وأدوات العمل
في تلك اللحظة، اجتاح نور شعور معقد من الغضب والحزن
كاد أن يعترض، أن يحتج على ما رآه ظلمًا، لكنه تماسك
ربما هناك قوانين لا يعرفها... لكنه، في أعماقه، كان يشعر بوجع إنساني تجاه الفتاة
تقدم نحوها بحذر وقال
أنا نور ضياء
مد يده ليعينها، لكنها قاطعته بثقة
لا داعي. فقط سر أمامي
تردد. ارتبك
تسللت إلى ذهنه عبارة ساخرة: "في أي ورطة أنا؟
ثم فكّر أن يعود إلى المديرة ليستفسر
بعد أن أرشدها إلى مكان المطبخ وأدواته، اعتذر منها وتوجه إلى ماريا
سألها بهدوء حاول أن يخفي ما بداخله
هل يُسمح لفاقدي البصر بالعمل هنا؟
أجابت ببساطة
نعم. هذا حق لهم
صمت نور
كانت هناك كلمات كثيرة يريد قولها، لكنها بقيت حبيسة صدره
عاد إلى المطبخ
وجد كل شيء منظمًا
وقفت الفتاة تعمل بثقة، كأنها تعرف المكان منذ زمن
اقترب منها مترددًا، يفكر أنها ربما تحتاج إلى مساعدة
لكنها التفتت إليه فجأة وسألته بجدية
لماذا تقف هنا يا نور؟
أجاب
ظننت أنك قد تحتاجين إلى مساعدة
قالت بحزم هادئ
لا أحتاج إلى مساعدة. يمكنك الانصراف
وقف لحظة، ثم غادر
وفي داخله شعور غريب
مزيج من الحزن والفرح، من الخجل والإعجاب
في ذلك اليوم، أدرك نور أن ما نراه ضعفًا قد يكون وجهًا آخر للقوة
وأن الشفقة ليست دائمًا إنسانية
وأن بعض الناس لا يحتاجون منا سوى أن نراهم كما هم... لا كما نظنهم