قصص قصيرة/ خطوات معلقة بين زمنين
(1)
"ملاذات دافئة"
استيقظَ والوقتُ ينسلُّ من بين أصابعه كرملٍ دقيق. كانت بقايا ليلته الماضية لا تزال عالقةً في جفنيه الثقيلين؛ ليلةٌ قضاها مبحرًا في عوالم المفكر علي حرب، مأخوذًا بطرحه المشحون حول "تعدد الآلهة وخراب العالم". شعر بثقل الفكرة يتجسد في وعيه: هل نحن حقًا نعيش جاهليةً جديدة، جاهلية حديثة ومقنعة ترتدي قناع المعاصرة وتخفي تحتها وثنية من نوع آخر؟
قطع حبل أفكاره الفلسفية صدى الواقع اللحوح: الامتحان! ابنه واقف ينتظر، والوقت يداهمهما.
ارتدى ملابسه بهستيريا اللحظة، متجاوزًا وجبة الإفطار، وناسيًا حتى أن يلقي نظرة في المرآة ليصفف شعره الثائر. هرعا إلى الشارع يسبقهما الخوف وتتبعهما خطوات كلب صغير أخذ يتودد إليهما ببراءة وكأنه الكائن الوحيد المنسجم مع هذا الصباح.
وقفا عند حافة الرصيف، تتلفت أعينهما بحثًا عن "تكتوك" ينقذهما، لكن الشارع كان غريبًا، مقفرًا وممتدًا كصحراء تبخرت منها الحياة. عقارب الساعة لا ترحم، تتقدم بقسوة لتعلن اقتراب موعد الامتحان، والتوتر النفسي ينهش صدره. فجأة، لاحت سيارة أجرة (تاكسي) متهالكة، تئن تحت وطأة السنين. أشار الأب بلهفة الغريق، فتوقفت.
ما إن فتح الباب حتى استقبلتهما رائحة "صمون" دافئة ملأت جو السيارة، رائحة اختزلت جوع الصباح المنسي. لفت انتباهه ملصق على الزجاج لسيف الإمام علي (ذو الفقار)، فرمزية السيف استدعت في ذهنه فورًا قيم العدل المفقودة والقوة المعطلة في عالم يموج بالظلم.
• "إلى شارع سبعين، من فضلك." قال الأب مستعجلاً.
• "بخمسة آلاف دينار." أجاب السائق بنبرة حاسمة.
صعدا، وانطلقت السيارة تتهادى في الشوارع. عند منعطف شارع فرعي، برزت صورة كبيرة لشهيد عُلقت على أحد الجدران. اهتزت مشاعر الأب، التفت إلى ابنه وإلى السائق وقال بصوت يملؤه الشجن: "إنهم دوافع فخرنا.. لنقرأ الفاتحة على روحه الطاهرة".
أكمل السائق قراءة الفاتحة، ثم تنهد بمرارة غيّرت ملامحه. التفت الأب متسائلاً عن سر تلك الحشرجة في صوته، ليجيبه السائق: "ألم تسمع بأزمة البنزين؟ الحكومة لم تعد توفره بكميات مناسبة، والأزمة تخنق المدينة".
عاد الصمت يفرض نفسه، صمت محمّل بمرارة العيش في بلد عجيب، بلد يبدو وكأنه يتغذى على الأزمات ويعيد تدويرها. لكن هدير السيارة كان أسرع من الأزمة هذه المرة؛ وصلا إلى مركز الامتحان قبل رنين الجرس بخمس دقائق فقط. تنفس الأب الصُعداء، ودع ابنه بنظرة قلقة ثمة أسرع الخطى مستأنفاً رحلته الخاصة نحو منطقة "باب المعظم".
كان الهاجس الجديد يلاحقه: "بصمة الحضور" في الدائرة، ذلك القيد الإلكتروني الذي لا يعترف بالأزمات ولا بالجاهلية الحديثة. كان يهرول والجهد يمتص ما تبقى من طاقته، حتى اهتز جيبه برنين هاتف.
أخرج الهاتف بأنفاس متقطعة، فجاءه صوت صديقه دافئاً، متبوعاً بعبارة بددت كل توتره: "نحن بانتظارك.. لقد جلبنا (لبلبي) وصموناً حاراً!".
في تلك اللحظة، تلاشت فلسفة علي حرب، واختفت أزمة البنزين، وتبخر قلق البصمة؛ دغدغ الخبر مشاعره الجائعة، وأدرك أن السعادة، في أوقات القلق العاصف، قد تختصرها ببساطة... رائحة صمون حار وكوب لبلبي دافئ.
(2)
"موعد النار"
في شارع الرشيد، حيث يتنفس التاريخ من رئة الورق المعتّق، كان صوت البائع يشقُّ الزحام : "الكتاب بألف دينار!".
وقفتُ مكاني، : يا لَزهد الثقافة في زمن العوز.. أيُعقل أن يُباع مجد عقولٍ وسهر ليالٍ بثمن بَخسٍ كهذا؟ ألف دينار! إنها لا تشتري رغيفاً يسد رمق الجسد، لكنها هنا تشتري روحاً كاملة، وتفتح بوابة لزمنٍ آخر. أيُّ مفارقةٍ هذه التي تجعل الكنوز معروضة على أرصفة العابرين، ينتظر بعضها صياداً يعرف قيمتها، بينما يمر الآخرون دون التفاتة.
شعرتُ بغبطةٍ حزينة تنتابني؛ فالأرصفة بغبارها أصبحت أكثر سخاءً من دور النشر الفارهة، والورق المنسي يخبئ خلف سطوره مواقيت ثائرة تنتظر من يوقظها.
كنتُ أُقلّب العناوين بلا وجهةٍ محددة، . مرّت تحت أصابعي كتبٌ شتّى؛ فتعثرتُ بكتابٍ لـ (هيكل)، لكنني أهملتُه وتجاوزتُه.. فما نفعُ دهاليز السياسة المعقّدة لقلبٍ يبحث عن السكينة البسيطة؟.. ثم لاح لي آخر لـ (صدام)، فخرجت مني ضحكةٌ ساخرة قبل أن أرميه جانباً.. يا لسخرية الأقدار! حتى التاريخ يصبح أحياناً عبئاً ثقيلاً نريد الفكاك من رماده... وقعت عيني على كتابٍ يحمل عنواناً مستفزاً: "فنون المراوغة"! نبذتُه على الفور وكأنني أطرد فكرةً آثمة، .. البعض بالفطرة هم مراوغون.. لا يحتاجون إلى دليل، ويمارسون الزيف كأنه هواء يتنفسونه، دون كُتبٍ أو معلمين.
وفجأة.. ومن بين ركام النسيان، التمع تحت الغبار عنوانٌ صعقني وهزّ أركان صمتي: (موعد النار) للراحل فؤاد التكرلي! تسمّرتُ في مكاني،: يا إلهي! أهنا أنت؟ أفي هذا الركن المهمل تختبئ بعد كل هذه السنين؟ كم طاردتُك في دهاليز "المتنبي" ودروب المكتبات العتيقة دون جدوى، وكم ظننتُ أن اللقاء بك مستحيل.. لتأتي الآن وتشرق بوجهك من تحت الغبار وكأنك كنت بانتظاري أنا دون غيري.
إنه الكنز المفقود، ضالتي العمرية التي بحثتُ عنها طويلاً. بلا وعي، احتضنتُه إلى صدري بلهفةٍ وخوف، كأنه طفلٌ عائد من غياب، أو سرٌّ أخشى أن يسرقه الزحام مني. مددتُ يدي ودفعتُ الألف دينار : رباه.. أيُّ بركةٍ حطّت على الرشيد اليوم؟ أدفَعُ ثمناً بخساً من ورق.. لأشتري وطناً من الإبداع والنار؟.
عند المنعطف، استقبلتني رائحة الفلافل الزكية، فتحركت شهيتي ونازعتني رغبةٌ ملحّة تدفعني نحو البائع. تلمستُ جيبي، كان فارغا... نظرتُ إلى الكتاب المحضون بين يدي، ثم إلى عربة الطعام، : عذراً أيتها المعدة الجائعة.. فاليوم صيامكِ عن الخبز هو فطرُ العقل، وظفر الروح. ما نفعُ زادٍ يفنى بعد ساعة، أمام زادٍ يخلد في الوجدان مدى الحياة؟ لقد تلاشت الدنانير في سبيل "موعد النار" ويا له من حريقٍ ممتع... ابتسمتُ في سري، وتجاوزتُ المكان دون التفاتة. مشيتُ وأنا أجرُّ خطاي المتعبة نحو البيت، لكن روحي كانت تحلّق عالياً، أهزأ بالجوع وأزهو بكنزٍ يزنُ عمرًا بأكمله.
(3)
"نبضٌ في الخمسين"
على أثير الأيام الدافئة، هناك يقف الجسد في نضجه النبيل، بينما يرفض القلب إلا أن يظل طفلاً يافعاً في العشرين، يركض خلف الفراشات ويغزل من نور الشمس أحلاماً لا تنتهي.
يقولون في حكاياتهم إن العمر أرقام، لكنهم لا يعرفون سر هذا النبض الدافئ في الصدر؛ سر هذا العصفور الساحر الذي يعاند الفصول، ويمسح عن وجه الأيام غبار الخريف، ليظل يغرد في ربيع دائم ومستمر.
إنه شغف الرقة الأولى، الشغف الذي ينظر إلى الكون بعينين تلمعان بالدهشة، ويؤمن بيقين المحبين أن هذا العالم الشاسع قد خُلق ليتسع للمسرات الصغيرة والنظرات الحالمة.
أنا.. ما زلتُ أسيرة حب الورود، أغازلها وتغازلني، وأرى في رقة بتلاتها وجه الحياة الأجمل الذي لا يشيخ ولا يذبل.
وذات يوم، بينما كنتُ أمشي ويرافقني السلام، مررتُ بحديقة ورود تفيض بالدلال. لم تكن مجرد حديقة، بل كانت قصيدة حب منسوجة من عطر وألوان، كأنها خُلقت لتأسر قلب عابر سبيل مشتاق.
هناك، تسمّرت قدماي على الرصيف، وشعرتُ بالجمال يهمس في أذني، وكأن الأرض تمدّ يديها لتغمر خطوتي بحنان. نظرتُ إلى الألوان العذبة، فاستيقظ العشرين في صدري ضاحكاً، واثباً، وممتلئاً بالشوق؛ لم أحتمل أن أكون مجرد عابرة سبيل أمام هذا الاحتفال الراقص، فمددتُ يدي نحو السياج برفق، وكأنني أصافح كفّ الحبيب، وخرجتُ من الحديقة بأجمل زهرة تختصر بهجة الوجود. لم أكن أقطف وردة، بل كنتُ أسرق لحظة حب من يد الزمن، وأحتفظ بعمري الحقيقي ناصعاً بين كفيّ.
لقد أدركتُ، وأنا أتحسس ملمس تلك الزهرة المخملية الرقيق، أن الرغبة في حياة جميلة هي قصة الحب الأبدية التي يجب أن نعيشها مع أنفسنا.
نحن لا نكبر لأن السنين تمضي، بل نكبر فقط حين نتوقف عن منح الدقائق فرصة لتكون دافئة، وحين ننسى كيف ننصت لنبضات قلوبنا. الحياة ليست تراكم أعوام، بل هي قصيدة ممتدة من اللحظات الحية المشرقة. ولذلك، دعونا نعيش كل دقيقة بكامل رقتها وعاطفتها، وألا ندع ثانية واحدة تمر من دون أن نملأها بالحياة والحب الشاعري، فالعمر لا يُقاس بالسنين، بل بعدد المرات التي خفق فيها الفؤاد حباً ودهشة.
(4)
الظلمة في بغداد قيدٌ يطبق بفكّيه على خناق الوجود، فيما العقارب المعلّقة على الجدار سيافٌ يقطع الوقت دقيقةً دقيقة، ليقذفها مسخاً في جوف الفراغ... منذ البارحة، والخواء يتمثل أمام عينيه في قصاصةٍ مطفأة، حُشدت فيها أرقامٌ مذهلة بوسعها أن تطفئ نور النهار. المقابل: "جرة قلم"، لفتة حبر عابرة تشرع النوافذ لرياح رذيلةٍ مستترة، وتعبر بكينونته من مستنقع الحرمان الضاري إلى قشور الترف الزائف
سبع سنوات وهو يطحن عمره في تروس وظيفة عقيمة، يحمل لقباً لزجاً: "الرجل النزيه". لكنه أدرك متأخراً أن النزاهة وهمٌ اخترعه الأثرياء لترويض جوع الفقراء؛ فهي لا تدفع إيجار جحره، ولا تكفّ عنه نهم الديون التي تتكاثر كالجراد، تاركةً إياه يداري عورته أمام نظرات الدائنين التي تنهش كرامته.
عند النافذة، سحب نَفَساً من سيجارته الأخيرة. رمق الدخان المتصاعد؛ خلاصة حياته مجرد رمادٍ وتبدّد. فكّر بحبيبته التي تآكلت على أرصفة الانتظار الأعرج. هذا المال كفيل بجمعها، لكنّ البيوت في هذا العالم ليست سوى زنزانات منمّقة. تأمّل الجمرة التي تحرق نفسها لتنتهي إلى لا شيء، ثم قذفها بازدراء نحو العتمة ومضغ غصته:
"أيّ طمأنينة يُرجى بناؤها على ركائز من سُحت؟ الشر لا يلد إلا مسخاً."
استنطقت أصابعه علبة السكائر فجاءته خاوية كعمره المهدور. ومع غياب الدخان، زحفت جيوش الأفكار القاتمة لتمزق نسيج ذهنه، واضعةً إياه في ساقيةِ شقاءٍ لا تنتهي؛ حيث الضمير ينازع الموت، والواقع يفرش البساط القرمزي احتفاءً برحلته نحو الانتحار الأخلاقي
وفجأة، خرق الصمت الجنائزي رنين الهاتف. انشق الظلام عن وهج الشاشة الميت، والتقط الرقم المجهول بـيدٍ ترتعش فيها بقايا الآدمية. وضعه على أذنه، فجاءه الصوت خافتاً وحاسماً كفصل المقصلة: "ها.. انقضى ليل الحيرة.. هل أنت موافق؟
تسمّرت الكلمات في حنجرته الميتة. شعر بقلمه القابع في جيبه كأنه صليبٌ من رصاص يزن طناً، ينتظر أن يُصلب عليه. وعمّ صمتٌ يسبق الارتطام الأخير؛ صمتٌ معلّق بين انتحاره الأخلاقي، أو بقائه حياً في مقبرة الفقر.