ليلة القبض على قلبي
أبهرتني محاسن هذه القصيدة للشاعرة نسرين صايغ الموسومة بعنوان (ليلة القبض على قلبي) اذ تستوفي الصورة والوصف في رقيق عباراتها، ودقة معانيها بعزيم

تها وهمتها ولغتها الانيقة كمعزوفة تحرك الخواطر الساكنة مما توفي للقارئ حين يكتشف حكمتها، فقد زينتها الشاعرة بألق ظاهر وباطن، لتكون اشبه بعروس جذابة مدهشة كما لو ان القارئ يبصر شمعة تصنع النور، لتضيء وحشة الظلمة بفلق وتواصل الشمعة بحرق نفسها دون ان يخمد ضوءها او ان ينطفئ، فهي تحتفظ بطاقتها، وكلما تضعف او يقل ضوءها تجدد ذاتها من نفسها بطاقة جديدة، وهكذا يستمر نورها، وتصنع بهجة مؤانسة لفائدتها، فالقصيدة لا تتستر بالإطناب والتطويل، ولا تتنكر لرحابة صدرها كي تكون ضوءا في عالم مضطرب يعاني منه الناس بغية ان يغادروا غبار وظلام الزمان، لذلك سأركز على نقطتين جوهريتين حيث اتناول فيهما القصيدة:
أولا: الروضة الشعرية الافتراضية - المتخيلة:
تدخلنا القصيدة إلى روضة شعرية افتراضية - متخيلة ذات ليلة هادئة تجمع شمل الذهن. أين؟ لا ندري أين مثلها، ومتى؟ لا زمان لمثلها. روضة فيها زهر اللوز، وأغصان غضة. ثم فيما بعد إنها روضة حيث فضائل أشجارها ثمار، وفضائل طيورها أنغام، وفضائل ماءها ألفاظ اما فضائل زهورها روائح طيبة وهمس، ولمعان التي ما تلبث تؤشر أوراقها، وتلوح بأهداب عيونها الجذابة. تلك لمحة جمالية تستعذب النفس، ليصبح الشعر غوثا للروضة ذاتها التي تسقيها كلمات جذابة. تلك بداية الإنشاد شعرا في خلوة مميزة فردية كما ورد في مطلع القصيدة:
وبِخِفة زهر اللوز وهو يُرَقّص عنه الندى.
خلف التلال الوارفات باسمي
ثم تستطرد الشاعرة قائلة:
أغفو في فردوسي الشعري الهنيهة ووحدي أعانق حلمي المندى بأدمع الوردات الماجدات وأول ...... القطرات
الشاعرة هنا مثل متصوفة في خلوتها بغبطة كأنها تطال وتدام خلوتها اشبه بزهرة شعر تريد ان تستظهر قصيدتها (ليلة القبض على قلبي) في حضرة ثمار اللغة، ومعانيها بغية ان تخرج العالم الدنيوي من العدم إلى الوجود، وتنقذه من الأهوال والمحن والمعاناة تحت أجنحة معالم الروضة، وتتجاوز الغمة في نسيم الروضة العذب مثل فنان تشكيلي يرسم لوحته الجميلة، ومثل عازف يلحن معزوفته بأناقة، فالشاعرة نسرين صايغ تستغرق في ذاتها في التأمل الكوني بعيدا عن تعب الدنيا الذي أعياها، منقطعة عن الحيلة والحيرة ازاء الدروب الطويلة التي عيتها، ليستوطن ذهنها آفاق هذه الروضة، لذلك أطالت الصمت مرة اخرى، لتكون خلوتها نافعة ممتعة في روضتها الشعرية البديعة التي تمتع نظرها في الاشجار المخضرة حيث تنفض أغصانها الهيفاء ثمارا حيث قشرتها ناعمة ورقيقة ثم هناك أصوت خافتة تكاد لا تسمع تناجي بعضها بعضا. هذا يستميل القلب في اشد سرورا، ويطرد هموم الصدر.
أجل، لم تبرح الشاعرة المكان لأنها وجدت الأنس المفضل في الروضة، فتولد في قلبها الشعور والعاطفة والميل في مراتبه ثم بعد حين رفعت رأسها كي ترعى نجمة في السماء بين الاف النجوم كما ورد في القصيدة:
أخيط آخر نجمة في سمائي شعرا!
أوقف زماني لعلي اقلب ثنايا المكان وكأن شيئا لم يكن!
ذلك يشبه الحالة التي مر بها بوذا، ليبلغ النيرفانا غائبا في الأنا الذات التي لم تكن إلا نورا ساطعا يستضيء داخله، فينبعث السلام الداخلي، ويتحرر من دنيا المعاناة، ويصل إدراكه الروحي في غايته القصوى لوحدة كونية. هكذا صارت الزهور بالنسبة للشاعرة ثغور مبتسمة، ولعيونها دموع من ندى. حينئذ صمتت الأصوات الخفيضة في الروضة بما فيها سقسقة الطيور في أوكارها، ونطق ظلال الشعر الوارف الذي استظلت به، فكانت هي الشاعرة التي ملاكها الشعري الخاص غائب في ظلاله ايضا، اذ هذا يوحي لنا عن ما ورد في الميثولوجيا اليونانية ان الاله ابولو كان راعي الشعر والموسيقى والفنون، وكذلك هناك ربات الإلهام الراعيات والمحفزات للشعر، وهن تسع آلهات يمثلن مصدر الوحي للشعراء، وفي مقدمتهن كاليوبي بينما العرب القدامى اعتقدوا بوجود قوة خفية خارقة لعالم خفي تمنح الشاعر الإلهام والقدرة على النظم، واعطوا هذه القوة تسميات كثيرة منها الجن.
ثانيا: المحاورة المشروعة:
هكذا أرادت الشاعرة نسرين صايغ صناعة قصيدتها النثرية، لتجمع بين جليها وخفيها كمحاورة، ومخاطبة بينها وبين ملاك الشعر الغائب ليس كما في حوارات سقراط الذي يعتمد السؤال والجواب، والجدل للوصول إلى الحقيقة باستخدام العقل الواعي بغية التميز بين الفهم واللا فهم، لتوليد الفكر الصائب الواعي، وتبني الأفضل ابتعادا عن الرأي الشائع الذي لا يجد نفعا، للتمسك بالوعي الأخلاقي من خلال الحوار، وقد اشتهرت المحاورة تاريخيا في اثينا بأبعادها الفلسفية من قبل سقراط ثم تبعه افلاطون الذي له الفضل في تسجيل حوارات سقراط، وليس كذلك كما كان سائدا عند العرب القدامى الذي اشتهر عندهم شعر المحاورة في الحجاز بين شاعرين كفن ارتجالي يعتمد على بصيرة الشاعر، وحسن لغته، وذكاءه، وسرعة البديهية، ليثبت بالحجة صواب المعنى في شعره اذ هنا ما ارادته الشاعرة في قصيدتها ان تكون المحاورة تمس إحساس الإنسان بالصورة الشعرية والإيقاع الذي يمس شغاف القلب بلغة جمالية وجدانية ذات عاطفة جياشة مليئة بإثارة القلب كي تقترب إلى التأمل العقلي، ليردد القارئ مع نفسه:
- هذا ما اشعر به!
لذلك يأتي الحوار بين الشاعرة وملاك الشعر الملهم لها اشبه بمحاكاة كما وارد في القصيدة:
….دنا!
وباد عليهِ حَنِينهُ
دنا وفي مقلتَيهِ ضُحىً دنا وما أغلاه من أثر...
كأرخبيل عائم على الماء
كأصابع الدهشة المريدة وهي تخط جبين الحكاية
خرائط من وجل..
قال:
لا مستقرّ بأرضكِ لبذور الشكّ، ولا ملاذ لغصنك الغضّ بنهم الجراد ومنافي اليمام.
لِمَ كل هذا الغياب؟
أين أنت ِ؟
أين شِعْرك الشادي ورفلة الهُيام وانتِ تصهلين بالسيف المفدّى وهدير المحابر؟
ظمئ الفكر وانقشع الضباب كأسا لا يمليه إلا فكرك.
أين أنتِ؟
لمَ كل هذا الغياب!؟
نعم، إنها محاكاة محفزة للإلهام في انتظار مجهول فيها دفعة حسية، وفيها طاقة مشجعة قد تكون متوترة خشنة، وقد تكون هادئة ناعمة لكن ملاك الشعر ظل يحدق فيها مأخوذا بالترقب لأنه لا يستغني عنها. أراد ان تمسك بملكتها الشخصية في هذه اللحظات المرهونة بالوقت، لذا هدهدت نفسها الشاعرة تلقائيا كي تخلق الكلمات التي تبني القصيدة، وتنتجها من تلقاء نفسها، وبفعل ارادتها، وحريتها، ورغبتها كي تظهر كصرح في جميع اشكاله في لحظة الحنيين هذه، لتتشكل القصيدة كما ورد فيها: رددتُ: مثلما يُدندن وتر عاشق لليالِ الشوق الطوال حول الشماعد الشريدة بالأحداق. مطمئنّة! أنا مطمئنة! الشاعرة الذات الغائبة في روضتها الروحية التي تحوي ما لم تحويه اي روضة أخرى تجعل المحاورة بين الانسان ذاته والعالم الموجود فيه أشبه بخطاب وجداني - فلسفي كفن حسي معرفي، وكعقل واعي يدمج بين لغة المحاورة والخيال والجمال في الرمزية والدلالات العينية التي ولدت منها القصيدة بالكلمات كإرادة شاعرة وليس مثل الوحي وربة الشعر كاليوبي عند اليونان، وليس مثل جن الشعر لدى العرب القدامى. على اية حال، هذه القصيدة تجلي للذات الانا في أقصى حدودها كغاية، ووسيلة، لتكشف عن نفسها بكلماتها القصدية المحسوسة التي تقول معاني كثيرة في إيقاعها اللغوي، وتخلق صورا تخيلية في وحدة متجانسة برمزيتها مع الغائب الحاضر المتمثل بملاك الشعر، لتكون الكلمات اختراع دون غموض، وتسير في منحى روحي في تعدد المعاني في سياق العاطفي السحري، وتجعل من الخيال واقعا يتماشى بحيوية مع الوجود. هذا يستدعي من ذهن القارئ ان يغوص في دلالة القصيدة، وما توحي اليه مهارتها التعبيرية، وخاصيتها الجمالية.