الفصل الثاني: من رواية قيد الانجاز

أولى نصال العنصرية        

عادت ندى إلى دوامة عملها تحملُ في كفِها المنهكِ توصيةً طبيةً تشير بوضوحٍ الى معالمَ وهنها، وتستجدِي رفقًا بجسدٍ لم يعد يقوى على مجاراةِ نهمِ الآلات والتزامات حمل وتفريغ البضائع والأثقال.

استقبلها زملاؤها القدامى بدفءٍ إنسانيٍّ، كان ينسكبُ على روحها كبلسمِ شفاء. ذادوا عنها كلَّ مجهودٍ يفوقُ طاقتها، فارتسمت على محيّاها ابتسامةُ امتنانٍ كانت تظنُّها استهلالًا لفصلٍ من الطمأنينة.

بيدَ أنّ القدرَ كان يخبئُ لها في طياتِهِ انعطافة حادة... صدرَ قرارٌ جافٌّ بإغلاقِ فرعِ الشركةِ تقليصاً للنفقات، لتجدَ نفسَها منساقةً كطريدةٍ إلى فرعٍ آخر، يسبقه صيتُ القائمين عليه بتنمرٍ لا مثيل له، وبكراهيةٍ صِرفةٍ وعنصريةٍ تتغذى على إقصاء الآخر.

ما إنْ وطأت قدماها عتبةَ ذلك المكان الجديد، حتى شعرت بنظراتِهم التي تشبهُ نصالًا باردةً تخترقُ كيانها. كان مديرُ الفرعِ قد قرأ ملفَّها بعينٍ ملؤها الحقد. لم يرد ان يتغاضى عن شموخَها وعنفوانها حين انتزعت حقًا مستلبًا في شكوى سابقةٍ أمام النقابة. استقبلها بابتسامةٍ صفراء لا تعكسُ إلا رغبةً دفينةً في الانتقام، وبفجاجةٍ لا تعرفُ حسن الخطاب، ألقى في وجهها كلماتٍ كالسموم:

ــ يبدو لي أنّكِ لم تتلقّي تربيةً كافية، وهنا.. سأتولّى أنا تهذيبكِ.

صدمةُ الكلماتِ كانت أعنفَ من أن يتحملَها كبرياؤها ورقتها. انتفضت من تحتِ أنقاضِ الذهول، وقالت بصوتٍ حاولت جاهدةً أن تجعلهُ هادئًا وراسخًا:

ــ أهكذا إذن؟! لنرَ... ولتعلمْ أنّني هنا لأداءِ عملي وواجباتي المِهنيّة فقط، وليس لأيّ شيءٍ آخر، وليس لكَ أدنى حقٍّ في مخاطبتي بهذه الغلظة.

سخرَ من ثباتِها بضحكةٍ خاوية، ثمّ رمى نحوها بقائمةِ مهامٍ شاقَّةٍ كأنها حبلُ مِشنقةٍ يلتفُّ حول عُنُقِ يومها الأول، وقال بوعيدٍ وقح:

ـ سنرى مَن منَّا سيجرُّ أذيال الهزيمة.

مضت نحو واجباتها والدمُ يغلي في عروقها كالبركان، لكنَّها اعتصمت بهدوئها. وحين تقدمت زبونةٌ تطلبُ عونها بكياسة، أشرقَ وجهُ ندى بابتسامةٍ مهذّبة، وما كادتْ تمدُّ يدَ المساعدة حتى انقضَّت عليها صرخةُ إحدى العاملات كعواءِ ذئبٍ في سكونِ الفجر:

ــ هَيْ، أنتِ!

هذا ليس مكانكِ.. انصرفي إلى المخزن حيثُ مديركِ، وكفاكِ تسكعًا وتكاسلًا!

في تلك اللحظة، شعرت بالأرض تميدُ تحتها، فالإهانةُ أمام الغرباء كانت طعنةً في شغافِ خجلِها. انهمرت دموعُها رغمًا عنها، ففرَّت إلى الخارج تستنشقُ هواءً حُرَّاً يغسلُ رئةَ كرامتها المنتهكة، لكنَّ المديرَ لحِقَ بها بصراخهِ العالي، ليشهدَ القاصي والداني على فصولِ تَنَمُّرٍ لم تشهد لها مثيلًا في أقسى كوابيسها. عادت للداخلِ وهي تُهمسُ لنفسها بكلماتٍ حازمة عن الصبرِ والتجاهل، لكنَّ مرارةَ اليومِ كانت قد سمَّمت بدنها تمامًا.

عادت ندى إلى البيت في ساعةٍ كانت المدينةُ فيها توشك أن تغرق في أولى سدول سكونها، كأنَّ الليلَ وحدهُ من يفهمُ ارتجافَ الأرواح المُنهكة. دفعت الباب بيدٍ مرتعشة، تتوكأ على ما تبقَّى من صبرها، فاستقبلها صمتٌ قارس يشبهُ وحشة المقابر. كان زوجها غارقًا أمام شاشة الحاسوب، يحدّدُ خطوطه في أوراق المقامرة والمضاربة الإلكترونية بعينين جافتين، كأنَّ العالمَ لا يضيقُ إلا بها، وأنَّ انهيارَها لن يحدثُ الا في غيابة مكانٍ سحيق لا يعنيه. لم يلتفت إلى زرقة غرزات العملية التي لا تزال توشم كتفها، ولا إلى وجهها الذي بدا كمدينةٍ اجتاحتها الحروب.

وقفت لحظةً تتأمله، بغضبٍ متلفع بذلك الفتورِ المُرِّ الذي يولدُ حين يموتُ العتاب. شعرت أنّ المسافة بينهما باتت تقاس بأعوامٍ من البرود والخذلان المتراكم. انسحبت إلى غرفتها بخطواتٍ خافتة، كأنها تخشى أن تسمع نفسها وهي تنهار. ما إن أغلقت الباب حتى انفجرت مدامعها دفعةً واحدة، دموعًا حارّةً كأنها تُذيب ما ران على روحها من قذارةِ العنصرية والخوف والقلق في العمل، والبرودة واللوم واللامبالاة في البيت. كانت ترثي كبريائها، فالإنسان حين يُطعن في كرامته يصبح البكاء آخرَ ما يثبت أنه ما زال انسانا.

وفي الصباح، أعلن جسدها تمرّده الكامل. استيقظت كمن يحملُ صخرةً فوق صدره، عاجزةً حتى عن رفع رأسها. قال الطبيب بعد صمتٍ طويل إنَّ الجرح لم يقتصر على الكتف فقط، فقد امتدَّ عميقاً داخل الروح، في تلك المنطقة المعتمة

التي تُخزّن فيها الصدمات بصمت. منحها إجازةً مرضية لأسبوع، وأوصاها بعلاجٍ نفسيٍّ عاجل، بعدما رأى في عينيها ذلك الانطفاء الذي لا تُخفيه المسكنات.

باتَ الخيارُ الوحيدُ المتبقّي أمامَ ندى هو اللجوءُ إلى نقابةِ العمال، رافعةً مظلمتَها ضدَّ غطرسةِ مديرِها ومن يلوذُ به من أعوان. وحينَ هاتفتِ النقابةَ يحدوها خيطُ أملٍ واهن، ارتطمَ صوتُها برَدٍّ جافٍّ:

ــ عليكِ بالصبرِ أشهراً طويلةً حتى يُدرجَ اسمُكِ في جدولِ المظالم.. وحين يأتي الميعاد، ستواجهينَهُ وجهاً لوجه لتدلي بكلمتِكِ الأخيرة.

وسرعانَ ما انقطعَ الاتصال، لتجدَ ندى نفسَها تُنزلُ الهاتفَ بنفَسٍ مخنوق، مستشعرةً أنَّ العدالةَ ذاتَها قد استقالتْ من هيبتِها، لتجلسَ خلفَ مكتبها البيروقراطيٍّ المتهالك، تُكدّسُ أوجاعَ البشرِ وتؤجلُ مصائرَهم كما تُرجأُ المعاملاتُ المنسيةُ في غياهبِ الأدراج.

صار الانتظار امتحانًا يوميًا لصلابتها. تذهب إلى العمل بوجهٍ شاحب، تؤدي ما عليها بآليةٍ مُرهقة، ثم تعود محمَّلةً بضجيج الداخل، كأنَّ حياتها تحولت إلى ممرٍّ طويل بلا انوار او نوافذ.

توالت الأيام ثقيلةً كأحجارٍ تُلقى فوق صدرها. في العمل، كانت نظرات التنمّر وافواهه تلاحقها كالإبر، وفي البيت كانت الوحدة تنمو حولها مثل نباتٍ بريٍّ بين الجدران. شيئًا فشيئًا، بدأت تتداعى من الداخل. صارت جلسات العلاج النفسي بالنسبة لها النافذة الوحيدة التي يتسلل منها هواء أقل اختناقًا. هناك، كانت ترى نفسها امرأةً أرهقتها معارك النجاة الطويلة، واستنزفتها أعوام الركض الدائم هربًا من الانكسار، تحمل من الجراح ما يفوق مجرد توقها إلى الشفاء.

أما زواجها، ذلك البناء الذي ظلَّت سنواتٍ ترمّم شقوقه بالصبر، فقد كان ينهار بصمتٍ لا رجعة فيه. وحين واجهت زوجها بعد تردد بطلب الانفصال، استقبلها بوجهٍ خالٍ من الدهشة والحزن، تتسيّده لامبالاة قاسية تقتل أكثر مما تفعله الخيانة نفسها. ثم جاء اليوم الذي غادر فيه... وقف الأبناء إلى جانب أبيهم، مدفوعين بارتباكهم وخوفهم، وربما بعجزهم عن فهم أمٍّ تتداعى أمام أعينهم. عندها شعرت ندى بأن وحدتها قد اكتملت، وأنها أضحت محاصرة بأقرب الناس إليها.

ومع ذلك، لم تمت فيها الرغبة في النجاة... اقترح طبيبها والمعالجة النفسانية إرسالها إلى مصحَّةٍ لإعادة التأهيل، بناءً على تقاريرٍ تشرح تدهور حالتها. وافقت، لأنها كانت بحاجة إلى هدنةٍ قصيرة مع العالم، إلى مكانٍ لا تضطر فيه كل صباح إلى ارتداء قناع المجابهة.

شيئًا فشيئًا، بدأت تستعيد خيوط نفسها. عادت تتواصل مع زملائها القدامى، أولئك الذين ظلّوا أوفياء لصداقتها وإنسانيتها. كانت لقاءاتهم تمنحها شعورًا خافتًا بالأمان، فيما أكَّد كثيرون استعدادهم للشهادة معها أمام النقابة. عندها فقط استبشرت، بأنّ الشرّ، مهما علا صوته، لا يستطيع أن يُخرس الجميع.

وبذكاءٍ ولد من رحم الألم، بدأت تسجّل سرًا كل ما تتعرض له من تنمّر وإساءة في العمل. كانت تعرف أنّ المعتدين بارعون في الإنكار، وأن الذاكرة وحدها لا تكفي لإدانة القسوة. وهكذا، راحت تجمع أدلتها بصبرٍ يشبه صبرَ الناجين من الحروب، أولئك الذين يتعلمون، بعد كل خراب، كيف يلتقطون بأيديهم المرتجفة ما تبقَّى من حياتهم ليبدؤوا من جديد.

**

تابع