قصة من نسج الخيال، لكل قارئ أن يمنح أبطالها الأسماء التي يراها مناسبة
في البداية أحب أن أذكركم بأن هذه القصة من تأليف خيالي الواسع، فمن كثرة متابعتي وقراءتي لقصص الناس ورواياتهم، تتبلور في ذهني أحياناً أحداث لا وجود لها في الواقع، لكنها تُنسج بخيوط من مشاعر حقيقية عشناها جميعاً في لحظة أو أخرى، ربما مرّت بكم مواقف تشبه هذه، سلباً أو إيجاباً، فتراكمت في الذاكرة حتى أجبرتنا على الكتابة، تماماً كما أجبرتني هي.
بداية الحكاية: كنت أتصفح هاتفي كعادتي بين مواقع التواصل الاجتماعي، حين وصلتني رسالة من حساب لم أعرفه من قبل صورة افتراضية، اسم غير حقيقي، كل ما يوحي بالتحفظ والحذر لم أفكر كثيراً، فقط كتبت رداً بسيطاً على تحيتها توالت الرسائل بعدها يوماً بعد يوم، حتى أصبح انتظار إشعارها جزءاً من طقوسي اليومية، استمر هذا التبادل قرابة ثلاثة أشهر، كتبت لي خلالها كل تفاصيل حياتها، طفولتها، أحلامها، مخاوفها، وكتبت أنا لها كل ما سألتني عنه دون تردد كانت الكلمات جسراً يُبنى حجراً حجراً بيننا، حتى شعرت أنني أعرفها كما لو كنت أعرفها منذ سنوات، رغم أنني لم أرى وجهها بعد.
اللحظة التي تغيّر فيها كل شيء: ثم جاءت لحظة الحسم، حين قررت أن تكشف عن صورتها الحقيقية وطلبت رقم هاتفي كي نتحدث صوتاً وصورة أرسلته دون تفكير، وبعد يومين رنّ الهاتف صباحاً وأنا في عملي كان صوتها كما تخيلته تماماً، دافئاً وهادئاً لم تدم المكالمة أكثر من خمس دقائق، لكنها كانت كافية لتزرع في قلبي يقيناً غريباً بأن هذه المرأة ستكون جزءاً من حياتي، توالى التواصل بعدها على مدار الساعة، حتى اتفقنا أخيراً على اللقاء سافرت إليها في مدينتها، لأن الرجل كما تعلّمت دائماً يذهب إلى من يحب وكان اللقاء أجمل مما تخيلت، دافئاً وصادقاً، وشعرت أننا أصبحنا أجمل حبيبين على وجه الأرض لم نكن نطيق أن يمر أكثر من ساعة دون رسالة أو مكالمة توالت اللقاءات، وكنت أردد دائماً لنفسي أنني محظوظ بامرأة لطيفة، هادئة، تعرف كيف تجعلني أضحك حتى في أحلك أيامي.
أربع سنوات من الإيمان بالحب: أربع سنوات كاملة عشتها مؤمناً أن هذا الحب مقدس، لا يُمس ولا يُشترى ولا يُخان كنت أنظر إليها لا كحبيبة عابرة، بل كشريكة عمر أُراهن عليها بكل ما أملك من صدق ووفاء لم أكن أدّخر لها شيئاً كل هدية اشتريتها لنفسي، اشتريت مثلها لها كل جهاز، كل قطعة ملابس، كل حذاء، كنت أحرص أن يكون لها نظيره، وكأنني أريد أن أقول لها بصمت أنتِ نصفي الآخر، وما أملكه هو ملكك وحين علمت أنها تمر بضائقة مالية في بلدها، لم أتردد لحظة في مد يد العون، هدايا، ومبالغ محترمة من المال لمساعدتها على سداد التزاماتها لم يكن ذلك من باب الاستعراض، بل لأنني كنت أؤمن حقاً أن الحب الصادق لا يحسب، ولا يسأل، ولا ينتظر مقابلاً كنت أظن أن العطاء بلا حدود هو أسمى تعبير عن الوفاء، وأن قلباً يمنح كل هذا لا يمكن أن يُخان.
بذور الشك التي رفضت أن أراها: لكن في الأشهر الأخيرة، بدأت ألمح تغيراً طفيفاً، لا شيء واضحاً، فقط تفاصيل صغيرة كانت تتسلل إلى أيامنا أصبحت تمسك هاتفها طوال الوقت، تبتسم لرسائل لا أعرف مصدرها، وحين أسألها عن الأمر تجيب بأنها مجرد أمور عمل كنت أشعر بوخزة في صدري، لكنني كنت ألوم نفسي على الشك، وأقول إن الثقة أثمن ما يُبنى عليه الحب، فكنت أبتسم وأتظاهر أن كل شيء على ما يرام، رغم أن قلبي كان يهمس لي بغير ذلك في إحدى الليالي، وبينما كنت ممدداً بجانبها أقرأ كتاباً، لمحت إشعاراً على هاتفها اشتقت إليكِ هذه الليلة، لم ألتقِكِ منذ يومين، متى يأتي الغد كي أراكِ سقط قلبي في تلك اللحظة كما لو أن الأرض انشقت تحتي تابعت من طرف خفي، ورأيت ما لم أكن أريد رؤيته رسائل طويلة، كلمات عشق وغرام، وصور علاقة كاملة كانت تُدار خلف ظهري، بينما أنا أمنحها كل ما أملك من صدق.
المواجهة: حين حاولت أن أختبرها، أن أقترب منها بلمسة أو عناق، تحججت بعدم استعدادها وحين رأت نظراتي، أدركت أن الحقيقة خرجت للنور حاولت أن تبرر موقفها، قالت إن الأمر معقد، وإنني لا أريد الزواج بل الصداقة فقط لكن في داخلي كنت أعرف أنني منحتها من الوفاء ما لم يمنحها إياه أحد من قبل، ورغم ذلك لم يكن ذلك كافياً لحمايتي من الخيانة، الأكثر إيلاماً لم يكن اكتشاف الخيانة وحدها، بل تذكّر كل لحظة شككت فيها ثم أقنعت نفسي أنني أبالغ كل مرة تجاهلت فيها صوت قلبي إرضاءً لثقتي العمياء بها أدركت متأخراً أن قلبي كان يعرف الحقيقة منذ زمن طويل، منذ أن شعرت ببرود رسائلها وفتور اتصالاتها التي أصبحت مجرد أداء لواجب لا أكثر.
آخر عيد ميلاد: لم يكن هناك ما يجسّد نهاية هذا الحب كما فعلت ذكرى ميلادي الأخيرة معها انتظرت تهنئتها بشوق طفل ينتظر هدية، لكن اليوم مر دون اتصال ولا رسالة في اليوم التالي أرسلت تهنئة عابرة عبر مواقع التواصل، ثم اتصلت لتقول ببساطة إنها نسيت قلت لها لا بأس، لكن تلك الكلمة البسيطة كانت الرصاصة الأخيرة التي أنهت ما تبقى من علاقتنا أدركت حينها أن قلبي كان يعرف الحقيقة منذ البداية، لكنني اخترت أن أغمض عينيّ عن قصد أحياناً لا نكتشف الحقيقة متأخرين، نحن فقط نرفض أن نراها حين تكون أمامنا.
بعد الفراق: غادرت بهدوء، دون صراخ ولا اتهامات، لأن بعض الحقائق حين تظهر تكون قد أتت بعد فوات الأوان مرت الأشهر ثقيلة كصخرة على صدري حاولت التواصل معي مراراً، وأرسلت رسائل تحمّلني فيها المسؤولية عمّا جرى وكان الأكثر إيلاماً أنها كانت تروي لي بتفاصيل باردة كيف اتفقت مع حبيبها الجديد على أمور الزواج، وكيف التقت بعائلته، وكيف رسما معاً مستقبلاً مشتركاً، دون أدنى اعتبار لمشاعري أو للحب الذي كنت أحملها به بجنون، لكن كبريائي ذلك الحصن الأخير المتبقي لي، منعني من التنازل أو العودة وبعد فترة، عاد التواصل من جديد، لكن هذه المرة بنبرة مختلفة، بدأت تتحدث عن ضائقتها الاقتصادية، عن تراجعها عن فكرة الزواج بسبب ضغوط عائلتها، وعن حاجتها لمساعدة مالية لشراء سيارة أرخص من التي تملكها كنت أستمع فقط، لا أرد بشيء سوى أنتِ تعرفين مصلحتك لم أشعر بالندم على ما قدمته لها سابقاً، فالمال بالنسبة لي كان دوماً أمراً ثانوياً لا يستحق الأسى، لكن الطريقة التي طلبت بها المساعدة هذه المرة، الباردة والمحسوبة، جعلتني أشعر وكأنني كنت دوماً مجرد وسيلة مالية لا أكثر.
الحقيقة التي لم تكتمل أبداً: ظل السؤال معلقاً في ذهني دون إجابة كم رجلاً مرّ في حياتها قبل أن أعرف اسمها الحقيقي لم أعرف الجواب يوماً، ولم أرغب في معرفته، لأن بعض الأسئلة حين تبقى بلا إجابة، تكون رحمة أكثر منها فضولاً ما تيقنت منه فقط أن الرجل الذي رأيته في تلك الرسائل لم يكن الأول ولا الأخير في قصة لم أكن يوماً بطلها الحقيقي، بل كنت مجرد فصل عابر في رواية طويلة لم تُكتب لي صفحتها الأخيرة.
الدرس الأخير: الخيانة لا تكسر القلب في لحظة واحدة فقط، بل تهدم الثقة التي بُنيت على مدى سنوات، حجراً حجراً، بصبر وإخلاص وحتى لو عادت نادمة يوماً، فإن بعض الأشياء لا يمكن إصلاحها مهما حاولنا ترميمها اليوم، حين أستعيد شريط الذكريات، لا أشعر بالغضب الذي اعتصر قلبي في البداية أشعر فقط أنني تعلمت درساً قاسياً علّمني أن الوفاء وحده لا يكفي لحماية القلب، وأن العطاء بلا حدود قد يُقابَل أحياناً بلا مبالاة تامة أحياناً لا نخسر الشخص الخطأ فحسب، بل نخسر الوهم الذي صدّقناه عنه، ونخسر معه جزءاً من إيماننا بأن كل حب صادق لا بد أن يُصان وربما، في النهاية، تكون الحكمة الحقيقية ليست في أن نتوقف عن الحب، بل في أن نتعلم متى نستمع لصوت قلوبنا حين يهمس لنا بالحقيقة، بدلاً من أن نُسكته خوفاً من فقدان من لا يستحق كل هذا الوفاء، وختامًا بعد هذا الخذلان تحاول الرجوع، أما الاعتذار فوصل متأخراً يحمل في يديه كلمات كان يجب أن تقال قبل أن يموت القلب وفي آخر الصف وقف الندم منبوذاً لأنه يعلم إن وصوله بعد فوات الأوان يجعله بلا قيمة وحين انتهت مراسيم دفن القلب أغلق القبر بإحكام وكتب على شاهدته هنا دفن قلب كان يصدق أكثر مما ينبغي.
جاكوب شامايا
23 تموز 2026