عوّاد
عواد يقتل حسين بدم بارد..كان عواد قليل الحديث والكلام عموما ،متلكئ وخجول وحسين عصبي سريع الرد ثاقب الكلام..أفكر وأنا جالس بسد خص من القصب عند بيت تفاحة،أتسمع الغادي والذاهب واجمع الأخبار..لماذا قتل عواد حسين؟اعرفهما منذ زمن ويبقى حسين صديقي المقرب،كان قويا ويقف أمام أولاد نظران الذين يسرقون دراجاتنا المؤجرة ويعيدونها لنا بعد انتهاء فترة الإيجار..ماذا حصل؟قالوا أن حسين اجبر عواد حتى يقتله..وضع صدره أمام السكين وهدد بغليظ الكلام بينما كانت السكين تدخل رويدا لتلامس القلب..حكم على عواد بالسجن ثم الإعدام..زرته قبل ليلة إعدامه،كان قد اقلع عن التدخين ويفرك أسنانه بخوصة من سعفة خضراء..او هكذا تراءى لي.
نزيهة
تلمّ أطراف عباءتها وتشدها على مؤخرتها وتعبر الساقية،التي تصبّ في مستنقع عريض..تلتفت وتضحك،فيبرق سنّها الذهب في عتمة المساء الساكن.
كنت اجلس على دكة الباب،انظر إلى الأفق الطويل..الأفق الذي أرى فيه مساكن وشوارع فسيحة وأشجار تنوح برؤوسها مثل أم ملتاعة..اكتم حزني وأتطلع حتى تبزغ النجمات الخجولات،فألملم أطراف ثوبي وأدخل البيت.
كانت نزيهة معبرا مزهرا لوحدتي اليومية،وعندما تعبر الساقية،اسمع طقات نعلها الأسود وأركز على شدّ العباءة..كنت ملولا سريع الحلم وعجولا في الاختيار،لكني داومت على الجلوس كل مساء قبل أن تهبط عتمة الليل الثقيل،أرى الأفق وأنتظر مرور نزيهة،وعندما فاضت جوانب الساقية،ساعدتها في العبور،كان عضدها ليّنا وناعما وشممت رائحة كالبخور تضوع من ثنيات ملبسها..أسرع الملم نثار روحي ويصرخ الاختيار فيها..وفي عتمة رأيتها،مضيئة ومهيبة،شامخة وثابتة المشي،وقفت على الدكة وأطلقت سلام المساء،التفتت ووقفت..أرخت طيّات العباءة،فبان قميصها الوردي واقتربت مني..سمعت صوتها يعبر الأفق،يعبر الأشجار النائحات..مساء القذارة يا شرطي المرور.
توت الندى
في المشارف القريبة،ترتمي بيوت التجاوز على بعضها،كتفا على كتف،وفي هذا الضحى والصمت يعم المكان،ثمة كلاب نائمة،هدها النباح في الليل الأزرق..الشوارع ضيقة،وعلى مقربة من بيت،برزت أضلاعه البلوك،جلست عجوز،أمام بسطية،تنش الذباب بطرف عباءتها وكانت أغنية قديمة ترطب شفتيها،تصعد الأغنية مع شعاع الشمس الليّن،تحوم وترجع،تقف باردة الأنفاس...النسوة المتلفعات بالسواد،يلمع الندى على أكتافهن،يحملن السلال الترابية اللون،مثل المشارف المترامية حتى حدود مكّبات الزبالة،حيث الريح تدفع بصعوبة ،الرائحة صوب الأفق الأبيض فيتسخ ويشحب..الأولاد والرجال غادروا قبل ذلك وهم يلتفتون ناحية شجرة التوت مثل اله فقد أسنانه..كانت منتصبة على ارض بستان جرفتها البلدوزرات..كانت لاهية،تمسد ما تبقى من شعرها وتلم ما بقي من ثمارها بحضنها العالي..أغصانها القريبة من الأرض تسلخت وأكلت الماعز أطرافها،وغير بعيد عن حضنها،رقدت صخور ترابية،عليها بصمات اكف الأطفال اللعوبين..وفي المساءات الخدرة برائحة الخبز والسمك،يجلس الأطفال تحت الشجرة،يتساءلون عن مغزى السوق وفمه الواسع..حكايات وأكاذيب وبهلوانات وتمثيل وتقليد أصوات وحركات تسمعه الشجرة فترخي أصابعها عن حضنها وتسقط شيئا من ثمارها.
مساء رتيب،حتى عندما يصل أطفال المزابل ويفرغون أكياسهم ويفرزونها بإقدامهم..كل شيء رتيب حتى عندما يسمعون صوت الأمهات.
وفي الليل توقد النار في العتمة التي تشتعل بلهيب من زرقة ورماد
شتاء ثقيل
قطع والدي،جذر شجرة التين..عندما فززنا،في الصباح وبعد عويل الريح وزخات مطر ثقيلة،انهار جدار الطين الذي يفصلنا عن ملاعب الأولاد..التينة في هذا الشتاء،زرقاء،تلمع عند شروق الشمس،وكانت ظلا باردا،للقطة الشهباء،في الصيف،وفي الشتاء تقضي ظهيرتها،تحتها ..قالت والدتي..أنها تحب اللزوجة،والتينة لزجة،ليس بثمرها وحتى بفيئها.
..ولمّا شمّر والدي،ذلك الصباح،ساعديه وحفر أخدودا لجدار القصب..كانت شعيرات القصب الذهبية،مسدلة على تراب الحائط المنهار..وبعد أن ضفر أعمدة المساند،نسج هطار القصب،بخفة قبل الظهر..وما بعد الظهيرة،لم تظهر القطة..ثم..رأيناها واقفة على حدود الحديقة،تنظر وتتلفت..قالت والدتي..لقد قطع أبوك جذر التينة..صرخت..لكل حي جذر،لا تلمسه،فأن لمسته،مات،..يا لوعتي على التينة،ونظرت إلى القطة التي تلملمت على نفسها،ولمعت عيناها بضياء خافت
الأكمام
..قست الشمس،هذا الصيف على مربع الحديقة الأخضر..اصّفر العشب وتدلّت أوراق شجرة،غليظة الساق،عريضة الأوراق،واصّفر بطنها،وتناوحت شجرة الورد الشوكية،وتوقفت عن ولادة أية وردة"قطعت زوجتي،وردتها الحمراء،البكر،وتناثرت بين أصابعها..نفخت بتلاتها،للحظ،فسكنت الشجرة ولم تلد"وعلى اطراف مربع،ظهرت،نبتات،خضراء،يلمسها نقيع الماء،عند غسيل الباحة..نبتات مشعرة،يكللها زغب اخضر..تتطاول،قليلا،ثم تنحني،فتلامس الأرض..تتناثر شعورها..وتتولد من حضنها نبتات أخرى مشعرة...أرى ذلك وأتمتم..انه الميلاد الأخير..ثمة أكمام على رأس كل نبتة.
..في جلوسي،الليلي،وعندما يخيّم الظلام وانقطاع النور،اسمع حفيفا خفيضا،كأنه الهمس...وفي النهار،أرى نبتة مثل سابقاتها،نحيلة،تريد أن تتطاول..أقول..ستنحني،ويتولد من حضنها،نبتات مشعرة.
..بعد غياب،أسبوع،لسفرة طارئة،جلست في مكاني،وكان الهواء ساكنا،والجو خانقا،كانت النبتة تهتز وكانت طويلة،ونحيلة مثل قصبة،لا يوجد تحتها،أولاد،كانت وحيدة،تتطاول،وعلى رأسها،أكمام،متراصة،مثل نبتة النعناع..في الليل ..أراها رمادية،تهتز،فتبرق أكمامها وتلمع،ولمّا أضع النظارة،تكون خضراء وأكمامها رمادية..شغلتني هذه النبتة،وأدخلت روحي في متاهة..بان عيني أصابها شيء،وقررت مهاتفة الطبيب،في الصباح..وفي الصباح زرتها،كانت خضراء وأكمامها مدورة،صفراء شاحبة..لبست النظارة..نفس الصورة..لمّا جاء الليل،ابتعدت عن النبتة،وكنت المحها،سرّا وهي تهتز وترقص أكمامها..تلمع بصفرة،غطّاها البياض