نشر في المدى البغدادية عدد يوم 27 آب 2026

حالما أضيئت الأنوار، بعد ساعتين وثلاث وخمسين دقيقة من المشاهدة الممتعة في قاعة IMAX بمجمع سينمات شرق هلسنكي، دوّى التصفيق في القاعة. وصفّقنا مع شادمان ـ شريكة حياتي ـ بحرارة، في ختام فيلم "الأوديسة" للمخرج كريستوفر نولان (مواليد 1970). خرجنا من القاعة بإعجاب حقيقي بالفيلم، وبالطريقة التي استطاع بها نولان أن يعيد قراءة هذه الملحمة الخالدة، لا بوصفها مجرد حكاية من الماضي، وإنما تجربة سينمائية ضخمة، نابضة بالصراع والدهشة والجمال. لكن ما يميز "الأوديسة" عند نولان ليس حجم الإنتاج وحده، ولا المعارك، ولا الوحوش والآلهة والبحار الهائجة، وإنما الطريقة التي ينظر بها إلى الأسطورة نفسها. فهو لا يتعامل مع أوديسيوس بوصفه تمثالًا بطوليًا مكتملًا، وإنما يحاول أن ينزل به من مرتبة الأسطورة إلى مرتبة الإنسان؛ إنسان أخطأ، قتل، خسر، اشتاق، ندم، ثم حاول العودة إلى البيت. ولعل السؤال الذي يرافق الفيلم من بدايته إلى نهايته هو: ماذا يبقى من البطل بعد أن تنتهي الحرب؟

حشد نولان للفيلم كوكبة باهرة من النجوم، في أدوار رئيسية وأخرى صغيرة، مؤكدًا من جديد تلك القاعدة الجميلة: لا يوجد ممثل ثانوي في فيلم كبير؛ فكل شخصية، مهما قصرت مساحتها، تبدو جزءًا من نسيج واحد يخدم الحكاية ويمنحها عمقًا ووهجًا خاصًا. يتصدر هذا الحشد مات ديمون (مواليد 1970)، صاحب الجاذبية الذكية والطبيعية، الذي جسّد شخصية أوديسيوس بموفقية لافتة. فقد نجح في تقديمه إنسانًا قبل أن يكون بطلًا أسطوريًا؛ رجلًا متعبًا وذكيًا، لكنه ليس خارقًا، يحاول العودة إلى عائلته بعد سنوات طويلة من الحرب والمحن. لم يعتمد ديمون في ذلك على الاستعراض أو الوسامة البطولية، وإنما على تعابير الوجه، ونبرة الصوت، والأداء الهادئ الذي ينقل ثقل التجربة وما تركته الرحلة الطويلة من إرهاق نفسي وجسدي.

ويبدو أن نولان كان متعمدًا في اختيار مات ديمون لهذه الشخصية. فهو لا يمتلك تلك الكاريزما الشكلية الطاغية التي نراها، مثلًا، لدى هنري كافيل (1983) أو براد بيت (1963) أو جورج كلوني (1961)؛ ولذلك بدا أوديسيوس معه أقرب إلى الإنسان العادي منه إلى الصورة التقليدية للبطل الوسيم ذي الحضور الأسطوري. أراد نولان منذ البداية القول: قبل أن يكون أوديسيوس أسطورة، كان رجلًا. ويبدو ساعدت تجارب نولان السابقة مع مات ديمون على بناء هذه العلاقة الفنية، فكان اختياره موفقًا في حمل شخصية بهذا الحجم، في تجربة وصفها ديمون نفسه بأنها من أفضل تجارب مسيرته، رغم ظروف التصوير القاسية والصعبة، ومن هنا يمكن فهم اختلاف أوديسيوس نولان عن الصور السينمائية السابقة للشخصية.فهو ليس المغامر القوي والجذاب كما جسّده كيرك دوغلاس (1916–2020) في فيلم Ulysses عام 1954، من إخراج ماريو كاميريني (1895–1981)، ولا هو أوديسيوس الدبلوماسي البارع والمراوغ الذي قدّمه شون بين (مواليد 1959) في فيلم Troy عام 2004، من إخراج وولفغانغ بيترسن (1941–2022(. في فيلم Troy، كان شون بين أقرب إلى أوديسيوس الذي ينتصر بالعقل والحنكة، ويعرف كيف يقرأ الآخرين ويستفيد من نقاط ضعفهم. أما كيرك دوغلاس فقدم صورة أكثر تقليدية لبطل المغامرة القوي والجذاب. أما نولان، فيبدو أنه اختار طريقًا ثالثًا: أوديسيوس بوصفه مزيجًا من الرجل العادي والبطل الاستثنائي؛ رجلًا ذكيًا، قادرًا على المناورة، لكنه يحمل أخطاءه وذنوبه وثقل قراراته معه أينما ذهب. وهنا تكمن إحدى نقاط قوة الفيلم: نولان لا ينظر إلى أوديسيوس بوصفه بطلًا معصومًا، وإنما كشخصية تتشكل بطولتها من خلال الصراع والخطأ والندم والقدرة على الاستمرار. وتكتسب هذه الفكرة معناها الأعمق من خلال علاقة أوديسيوس بابنه تيليماخوس، الذي يؤدي دوره توم هولاند (1996). فتيليماخوس لم ينشأ مع أبيه، وإنما نشأ مع صورة الأب الغائب؛ صورة صنعتها الحكايات والأغاني والأخبار القادمة من الحرب. لقد عرف أوديسيوس بوصفه بطلًا قبل أن يعرفه بوصفه أبًا. وهنا يطرح نولان سؤالًا شديد الأهمية: هل يستطيع الابن أن يحب الأسطورة، ثم يتقبل الإنسان الذي يقف خلفها؟ فأوديسيوس الذي يعود إلى إيثاكا ليس الرجل نفسه الذي غادرها. لقد عاد محملًا بآثار الحرب، ذاكرة الموت، وأثقال الأسرار والندم، بينما ظل ابنه طوال تلك السنوات ينتظر صورة مثالية لأب لم يعرفه إلا من خلال ما قيل عنه. وهكذا يصبح لقاء الأب بابنه مواجهة بين حقيقتين: أوديسيوس الذي صنعته الأغاني، وأوديسيوس الذي صنعته الحرب.

وما دمنا تحدثنا عن التمثيل، فإن أداء آن هاثاواي (مواليد 1982) في دور بينيلوبي كان اختيارًا موفقًا آخر من نولان. فقد قدمت الشخصية بسلطة هادئة لا تحتاج إلى الصراخ لتؤكد أنها ملكة. وفي مشاهدها مع ابنها تيليماخوس ومع الخاطبين، تعتمد هاثاواي كثيرًا على النظرات والصمت وتفاصيل الوجه، لتقدم لنا امرأة لا تكتفي بالصبر والانتظار، بل تخفي وراء هدوئها غضبًا متراكمًا؛ غضب امرأة أمضت سنوات طويلة وهي لا تعرف إن كان زوجها حيًا أم ميتًا، أو إن كان سيعود إليها أصلًا. وهذا ما يجعل بينيلوبي أكثر من مجرد زوجة تنتظر عودة البطل. إنها امرأة دفعت ثمن غيابه، ووجدت نفسها مضطرة إلى إدارة بيت وعرش ومصير ابنها في غياب الرجل الذي اختارته شريكًا لحياتها. وقد وصفت هاثاواي الشخصية بأنها أشبه بـ(بركان يغلي باستمرار قبل أن ينفجر)، وهو وصف يختصر الكثير من التوتر الداخلي الذي منحته للشخصية. لكن أهمية بينيلوبي لا تكمن فقط في وفائها، وإنما في أنها تمثل البيت الذي يحاول أوديسيوس العودة إليه. فالرحلة كلها تصبح بلا معنى إذا لم يكن هناك شيء يستحق العودة.