13-07-2026
في عينيه وطنٌ لا يُحزم في حقيبة
فماذا لو زرعتُ وطنًا في كل مكان كي أشعر بالاطمئنان؟ *
اعتاد الناس في السويد متابعة نشرات الطقس، ولا سيما في شهري تموز وآب، إذ ينتظرون الأيام المشمسة ليقصدوا الشواطئ، ويلقوا بأجسادهم المتعبة التي أنهكتها أشهر الخريف والشتاء الطويلة تحت دفء الشمس
كان جليل واحدًا منهم، وقد تجاوز الخمسين من عمره. في أحد أيام تموز الحارة، خرج إلى الشاطئ القريب من الحي الذي يسكنه، تاركًا شقته التي اعتادت وجوده. وكأن الشقة شعرت بالفرح لأنه سيتركها لساعات، لكنها حزنت في الوقت نفسه لأنه سيظل وحيدًا. لعلها قالت في سرها: ليته يأخذني معه
جلس على كرسيه القابل للطي، الذي لا يتجاوز وزنه كيلوين، لكنه يحمل جسدًا أثقل من وزنه بكثير، جسدًا أثقلته السنوات والذكريات أكثر مما أثقله العمر
راح يتأمل الساحل الممتلئ بالأجساد نصف العارية التي جاءت تبحث عن الشمس والماء معًا. لم يعد يشعر بالحرج من هذا المشهد؛ فقد اعتاد، خلال سنواته الطويلة في السويد، على أمور كثيرة كانت غريبة عليه في وطنه. تعلم أن يعيش بحرية ضمن حدود القانون الذي يحترمه، حتى وإن كان يختلف مع بعض تفاصيله. أصبحت تلك الحرية جزءًا من حياته اليومية، في العمل وخارجه، وهي أشياء لم يكن يستطيع ممارستها في بلده الأم
وصل جليل إلى السويد قبل ثلاثين عامًا لاجئًا بمساعدة الأمم المتحدة. خلال الأشهر الأولى، وفرت له الدولة السكن، والإعانة الاجتماعية، والرعاية الصحية، وتعليم اللغة، وحتى بطاقة المواصلات. ولم تقتصر هذه المساعدات عليه، بل شملت أسرته أيضًا، إذ حصل أطفاله على مخصصات شهرية حتى بلوغهم سن الثامنة عشرة
كان يرى في ذلك شيئًا من العدالة الاجتماعية التي حلم بها طويلًا. فقد نشأ في العراق فقيرًا، يحمل اسم ماضي عبد عون، وعاش طفولة قاسية وصبًا مثقلًا بالحرمان. وفي شبابه انخرط في العمل السياسي، متأثرًا بالأفكار الاشتراكية اليسارية، مؤمنًا بحماسة الشباب أن العدالة والمساواة يمكن أن تتحققا إذا وجدت تلك الأفكار طريقها إلى التطبيق
لكن الواقع كان أقسى من الأحلام. لم يجد مكانًا يحتضن أفكاره، ولا ظروفًا تسمح لها بالنمو، فوجد نفسه مطاردًا، يتنقل بين المدن، ثم يهرب إلى الجبال، حاملاً معه أحلامه الكبيرة وخوفه معًا
وربما وجد جزءًا كبيرًا من تلك العدالة هنا، في السويد، لكنه لم يكن يعترف بذلك حتى أمام نفسه. فالماضي ظل يشده إلى الخلف، ويذكره دائمًا بأن هذا البلد رأسمالي، بينما بقي هو أسير أفكار حملها منذ شبابه
كان يجلس مع أصدقائه المهاجرين، فيستعيدون الذكريات والبطولات والمعاناة، ويهاجمون الرأسمالية، ثم يعود كل واحد منهم إلى بيته الدافئ الذي وفرته له الدولة. كان جليل يشعر بتناقض صامت بين ما يقوله وما يعيشه، لكنه نادرًا ما يبوح به
وكان يرى أيضًا أن أبناءه أصبحوا أكثر اندماجًا في المجتمع السويدي، وأن طموحاتهم تختلف عن طموحاته القديمة. ومع ذلك كان يشعر بالاطمئنان على مستقبلهم، وربما كان ذلك أكثر ما يخفف عنه ثقل العمر
بدأت الأسئلة الصعبة تزوره كلما تقدم في السن
هل أنا عراقي أم سويدي؟
لم يكن هذا السؤال يخصه وحده، بل أصبح سؤالًا يتردد في جلسات أصدقائه أيضًا، من دون أن يجد أحد جوابًا حاسمًا
اقترب بنظره من الشاطئ، فرأى أطفالًا يبنون قصورًا من الرمل. ابتسم في هدوء. تذكر أنه هو الآخر قضى عمره يبني قصورًا، لكنها لم تكن من الرمل، بل من الأحلام والأمنيات. وربما كان سببها ذلك الحرمان الذي رافقه منذ طفولته
ورغم أنه يشعر اليوم بالأمان الاقتصادي، وبالرعاية الصحية، وبالاستقرار الذي افتقده طويلًا، فإن داخله ما يزال يعيش بين زمنين: حاضرٍ يمنحه الطمأنينة، وماضٍ يرفض أن يغادره
قال في نفسه
لا أريد أن أندم على ما مضى، ولا أن أبالغ في الفرح بما وصلت إليه. يكفيني أن أكون راضيًا
ثم أضاف وهو يراقب البحر
كلما كبر الإنسان، قلت أمنياته... لكنه يزداد بحثًا عن الطمأنينة
----------------------------------------
الكاتبة التركية أليف شافاق (شافاك)(1971ـــ)