في قرية يمنية صغيرة، حيث تتشابك بيوت الطين مع دروب الفقر، وحيث لا تُقاس الأحلام بحجمها بل بصدق أصحابها، كانت هناك مدرسة ابتدائية متواضعة تحتضن أطفالاً جاءوا من عائلات لا تملك الكثير، لكنها منحتهم أغلى ما تملك القلب في تلك المدرسة، كانت الأستاذة نوال تُدرّس مادة قواعد اللغة العربية، لم تكن معلمة عادية كانت أمّاً لكل طفل يجلس أمامها، كانت تعرف من نظرة عين كل تلميذ إن كان قد نام شبعان الليلة الماضية، أم نام وهو يواري جوعه خشية أن يُثقل على أهله كانت تلك العينان الصغيرتان كتاباً مفتوحاً لها، تقرأ فيه الحرمان قبل أن يُنطق به أحد في أحد الأيام، أرادت أن تزرع في نفوس طلابها شيئاً من الحماس، فوقفت أمامهم بابتسامة دافئة وقالت بعد ثلاثة أيام سيكون لدينا امتحان في القواعد، ومن يحصل منكم على العلامة الكاملة، سأهديه هدية خاصة تعالت الهمسات، وسأل أحد الأطفال بفضول وما هي الهدية يا أستاذة أجابت وهي تبتسم حذاء جديد.

لم تكن هذه الكلمة البسيطة تحمل معنى عابراً لهؤلاء الأطفال فالحذاء الجديد، في نظرهم، لم يكن مجرد قطعة قماش وجلد، بل كان حلماً يمشي على قدمين حافيتين طالما تحملتا برد الشتاء وحرارة الصيف ابتهج الصف كله، وبدأ كل طفل يذاكر بجدّ، يحلم في الليل بلحظة يرفع فيها قدمه ليريها للجميع وهي ترتدي حذاءً لم تلمسه يد غيره من قبل بين هؤلاء الأطفال، كانت هناك طفلة هادئة اسمها وفاء عبد الكريم كانت تجلس دائماً في آخر الصف، تُخفي قدميها الصغيرتين تحت المقعد الخشبي القديم، وكأنها تخبئ سراً لا تريد لأحد أن يراه كان حذاؤها ممزقاً من طرفه، مفتوحاً كفم يتنفس الغبار مع كل خطوة، لكنها لم تشتكِ يوماً، ولم ترفع صوتها بشكوى، بل كانت تحمل فقرها بصمت جميل، وكأنها تعلمت من قسوة الحياة كيف تبتسم رغم كل شيء.

جاء يوم الامتحان، وانحنت الرؤوس الصغيرة فوق الأوراق بإصرار غريب لم تعهده الأستاذة نوال من قبل، كانت تشعر وهي تراقبهم أن كل قلب صغير في تلك القاعة يريد أن يفوز، لا لأجل العلامة فحسب، بل لأجل ذلك الحلم الذي يمشي على قدمين وحين صححت الأوراق، وقفت الأستاذة نوال مذهولة لقد حصل جميع الطلاب، دون استثناء، على العلامة الكاملة فرحة غامرة تملّكتها للحظة، ثم تبعتها حيرة صادقة لمن ستُهدى الجائزة، وكلهم يستحقونها بجدارة، جمعت الأطفال وقالت لهم بصدق كلكم متميزون، وأنا فخورة بكم جميعاً، لكن الهدية واحدة فقط اقترحوا عليّ حلاً يُرضي الجميع، تشاور الأطفال فيما بينهم بجدية تفوق أعمارهم، ثم قال أحدهم للمعلمة نحن أتفقنا أن نكتب أسماءنا على أوراق صغيرة، ونضعها في صندوق، وأنتِ تسحبين واحدة منها، وأي اسم يخرج يأخذ الحذاء.

وافقت الأستاذة نوال، معجبة بعدالة هذا الحل البريء جلس كل طفل يكتب اسمه بخط يده الصغير، يطوي الورقة بعناية، ثم يضعها في الصندوق وكأنه يضع فيها جزءاً من أمله أمام أعين الجميع، مدّت الأستاذة نوال يدها إلى الصندوق، وسحبت ورقة واحدة فتحتها ببطء، وقرأت الاسم المكتوب عليها وفاء عبد الكريم، تقدمت وفاء بخطوات مترددة، ودموعها تسبق ابتسامتها، بينما انفجر الصف كله بالتصفيق الحار والصادق، أخذت الحذاء الجديد بين يديها وكأنها تحمل كنزاً ثميناً، واحتضنت معلمتها بقوة وهي تقول بصوت يرتجف، والله كنت محتاجة له كثيراً يا أستاذة، حاولت نوال أن تكتم دموعها، فابتسمت حتى لا تُفسد فرحة الطفلة الصغيرة، لكنها في داخلها شعرت بشيء غريب يعتصر قلبها، لم تفهمه إلا حين عادت إلى بيتها في المساء، جلست في غرفتها تحمل الصندوق الصغير الذي احتفظت فيه بأوراق القرعة، ودموعها تنهمر بصمت، سألها زوجها متعجباً لماذا تبكين وأنتِ تروين لي قصة بهذا الجمال.

أجابته وهي تفتح الصندوق أنا لا أبكي لأن وفاء فازت، استغرب الزوج أكثر إذاً ما السبب، أخذت نوال تُخرج الأوراق واحدة تلو الأخرى، تفتحها أمامه ورقة بعد ورقة، وكانت المفاجأة أن كل ورقة، دون استثناء واحد، كانت تحمل الاسم ذاته وفاء عبد الكريم، تجمد الزوج في مكانه، والدهشة ترسم ملامح وجهه، بينما انهمرت دموع نوال أكثر وهي تقول بصوت يتقطّع كل الأطفال كتبوا اسمها، ولا طفل واحد فيهم كتب اسمه، ثم أضافت وهي ترتجف من فرط التأثر، كلهم كانوا يتمنون الحذاء لأنفسهم، لكنهم رأوا أن حاجة وفاء أكبر من حاجتهم جميعاً، لم يكن ذلك القرار الجماعي الصامت مجرد لعبة أطفال بريئة، بل كان درساً في الإنسانية أعمق من أي كتاب مدرسي، وأصدق من أي محاضرة في الأخلاق.

في اليوم التالي، توجهت الأستاذة نوال إلى المدرسة، وبين يديها أحذية جديدة بعدد كل طلاب في الصف، فقد باع زوجها ساعته الوحيدة، الشيء الوحيد الثمين الذي كان يملكه، ليشتري بثمنها فرحة لا تُقدَّر بثمن لأطفال لم يعرفوا يوماً معنى الأنانية، حين دخلت الصف وبين يديها الأحذية، وقفت أمام تلاميذها الصغار وقالت بصوت يخنقه التأثر بالأمس، أنتم علمتموني درساً لا يوجد له مثيل في أي كتاب بكت وفاء، وبكى معها كل أطفال الصف، لا من حزن، بل من فرط الفرح والدهشة أمام هذا العطاء المتبادل، وصار ذلك اليوم يُعرف في المدرسة إلى الأبد باسم يوم القلوب البيضاء، يوماً يُروى للأجيال القادمة كدليل على أن البراءة الحقيقية لا تعرف الأنانية، وأن أعظم الدروس لا تُلقّن في الصفوف، بل تُكتب بيد أطفال صغار قرروا أن يمنحوا فرحتهم لمن يحتاجها أكثر منهم.

ولم تنتهِ القصة عند هذا الحد، فبعد أيام، وصلت المدرسة رسالة من رجل فاعل خير سمع بما حدث، أعلن فيها تكفّله بشراء ملابس وأحذية لجميع طلاب المدرسة، وقد ختم رسالته بجملة ظلت تتردد في أروقة تلك القرية الصغيرة لسنوات الطفل الذي يتنازل عن فرحته لأجل غيره، يستحق أن تُفتح له أبواب الدنيا كلها.

جاكوب شامايا