اجتاز رجب الشارع مطرقاً رأسه، مبعداً نظره عن حركة الأشياء من حوله، مفكراً في الحديث الذي دار مع القائد الأمريكي، فكل ما أرادوا معرفته قدّمه لهم بنصيحة العارف بدقائق الأمور، مطالباً إياهم بمنع الانتقام لتهدأ الأوضاع، ويشعر الناس بأنهم جاؤوا لحمايتهم لا لإشاعة الانفلات والفوضى والموت.
كان مضطرباً وهو يسير وسط الشارع العريض الخالي من المارة، تملكته رغبة عارمة للذهاب إلى مكتبه الذي هجره منذ بدء الهجوم، لكن رغبته تلاشت، ووجد قدميه تقودانه نحو بداية الطريق المؤدي إلى الجهة القريبة من الشارع الرئيسي، حيث بيت صديقه المحامي أبي جبار اللامي، فهناك يستطيع أن يفصح عما يدور في خلده، ويناقش معه ما دار بينه وبين القائد الأمريكي، فأبو جبار يملك من الحنكة والحكمة ما يُبدد قلقه وإرباكه، ولا يمكن أن يبخل على صاحبه بما يطمئنه. لكن ضحكة القائد الأمريكي كانت تتردد وتملأ رأسه لتلسعه بطنينها، شقّ عليه استيعاب فكرة النوايا الحسنة وراء تلك الضحكة التي عرض عليه بعدها أن يكون صلة الوصل بينهم وبين أهالي مدينته. داعبه الأمل لحظتها، لكنه سرعان ما أفاق منه، شاعراً بثقل المهمة وغموضها في هذا العمر. فبعد جهاد طويل. لم يدر في خلده يوماً، طوال حياة عاشها مغامراً يتقلب بحثاً عن وجود وكينونة، أن يواجه موقفاً كهذا في هذا الوقت بالذات، فحتى الموت كان قد حسب له حساباً، لكن موقف اليوم له حساب آخر. في تلك الساعة الحائلة الملامح ومع تقدم جيش الاحتلال، بدت الأشياء وكأنها تُشوى فوق جمر، ولم يجد من يقف جواره، فشعر بوحدته المضنية. لم يصنع سوءاً لأحد، فلماذا تتعقبه الأقدار بخياراتها القبيحة بكل هذه الحدة والقسوة؟ من الصعب أن يدرك المرء في أواخر عمره أن ما تشبّث به كان خدعة أو لعبة لم يكن له خيار فيها، بقدر ما كان القدر يقودها دون إفصاح عن هدفها. هل يمكن نسيان كل ما حدث مع مرور الزمن؟ واليوم عليه أن يبدأ من جديد، فأية لعبة اختارها له قدره؟ وبعد كل حقول الألغام التي نُصبت له والمهازل التي قُدّر له أن يكون مصاحباً لها، وتلك التي نجا منها على عهد البعثيين، يجد نفسه اليوم لا يزال متماسكاً ويفكر، ولكن في أي شيء؟ ومن أجل ماذا؟ أيحتاج الأمر كل ذلك الجهد؟ أسيخرج التعامل مع الأمريكان مدينته من محنتها؟ أم ترى أن المسألة تعيد صناعة نفسها؟ فبالأمس كان يرافق رجال البعث ويُمالئهم ويقدم لهم الرشا لأجل عمل أو حماية، والآن ما لون القادم؟ وما سوف يكون عليه مصير المدينة؟
سار رجب منعطفاً نحو البناية القريبة الواقعة في مقدمة السوق، حيث عليه أن يتخطاها ليعبر الطريق نحو الجانب الآخر. بدت البناية وقد لُطّخت ببقع داكنة، ونتأت من سقوفها بقايا حديد معوجّ كأنه أضلع محطمة. كان الدخان ما زال يملأ المكان برائحته، دخان أسود يخرج من الجوف المحترق، مع بقايا كراسٍ ومناضد وأوراق مبعثرة محترقة مرمية وسط الشارع، وثمة ثريّا معلقة في إحدى واجهات غرف البناية تتدلى كأنها رجل معلق من رقبته.
ــ ها يا أبا مهند، أبدلت ثوب البعثية بثوب الأمريكان؟
لم يسمع رجب الكلمات جيداً، فقد ضاعت وشوش عليها صوت رشقات الرصاص. هزت الرصاصات جسده وطوحت به ليهوي عند عتبة البناية. اضطرب جسده، فشعر بوخزات حادة لاسعة تخترق صدره. تلمس مكامن الجراح وضغط عليها شاعراً بحدة الألم. تراجع نحو الخلف ثم هوى بجسده، وأخذ يخبط الأرض بكلتا يديه، وكان الدم ينز فواراً من جسده المنخور، وعيناه المتيبستان ابيضتا، وكانتا تحملقان في الفضاء الكالح البعيد.