في أزقة الفقر وتحت شمس حقول القطن الحارقة في مدينة أضنة، وُلد يلماز گوناي عام 1937 لعائلة كردية بسيطة، ليعيش طفولة قاسية صنعت ملامحه ووجهت بوصلته الإنسانية مبكراً نحو الكادحين. لم يكن گوناي فناناً وُلد في رفاهية النخب، بل صاغته خشونة الشارع وشظف العيش، فانتقل من بائع متجول وعامل بسيط إلى رحاب الفن والسينما في إسطنبول. وهناك، وفي حقبتي الستينيات والسبعينيات، صعد صانعاً نجوميته الطاغية حتى لُقب بـ "الملك القبيح" بفضل ملامحه الحادة التي كانت تعكس صدق معاناة الإنسان البسيط. لكن شهرته لم تكن غاية بحد ذاتها، بل تحولت إلى أداة لتبني هموم المسحوقين والتمرد على واقع الظلم، دافعاً ثمن ذلك ملاحقات وسجوناً متكررة حتى وفاته في منفاه بفرنسا عام 1984.  

الحاضنة الفكرية اليسار في السينما التركية وروادها الأوائل

لم تكن السينما اليسارية في تركيا خلال حقبتي الستينيات والسبعينيات مجرد موجة فنية عابرة، بل كانت تيارات فكرية وثقافية صلدة عُرفت بـ "سينما الشعب والطبقات الكادحة"، حيث تبنى مخرجون ومثقفون يساريون أتراك مقولة إن الشاشة يجب أن تكون أداة نقد اجتماعي وثوري ضد الإقطاع. وفي خضم هذه البيئة، برزت أسماء لامعة لمخرجين أكراد وتقدميين مهدوا الطريق بصمت وشجاعة، لعل أبرزهم المخرج الكردي البارز عاطف يلماز Atıf Yılmaz الذي يُعد الأب المعلم لجيل كامل من السينمائيين والذي ساهم مبكراً في توجيه البوصلة نحو القضايا الاجتماعية واكتشف طاقات گوناي الفنية في بداياته، إلى جانب أسماء أخرى مثل شريف غورن وغيرهم ممن انخرطوا في صفوف الحركة اليسارية والعمالية.

وسط هذه الحاضنة من المخرجين والمفكرين، دخل يلماز گوناي إلى صفوف الحركة الفنية والثقافية مدافعاً صلباً عن الكادحين. وعلى الرغم من أن هؤلاء الرواد الأكراد واليساريين الأتراك تحركوا في البداية تحت مظلة النضال الطبقي العام متحفظين أحياناً عن طرح الهوية القومية صراحةً، إلا أن انضمام گوناي وتألقه غيّر معادلة الصراع؛ فقد استطاع بعبقريته الفذة أن يتخذ من هذه المظلة اليسارية قاعدة انطلاق صلبة، ليحول سينما الطبقات المسحوقة إلى منبر ناطق بالهوية والوجع الكردي الخالص، دافعاً باليسار السينمائي نحو أفق قومي وإنساني غير مسبوق.

التكتيك الفني والتخفي خلف الواقعية الاجتماعية

أمام مقص الرقابة العسكرية الصارم الذي كان يحظر تماماً أي ذكر لكلمة "كرد" أو "كردستان" في تركيا، لجأ گوناي إلى عبقرية الترميز الفني والواقعية الاجتماعية. فلم يقدم شخصياته كقضايا سياسية قومية مباشرة، بل صورهم كفلاحين فقراء، ومهمشين، ومسحوقين يعانون من قسوة الحياة في الأقاليم الشرقية والجنوبية. وبهذا التكتيك الذكي، تمكن من خداع السلطات عبر إيهامها بأن أفلامه تناقش "الطبقات الكادحة والفقر بشكل عام"، بينما كانت التفاصيل واللغة والوجوه تنطق في عمقها بالهم والهوية الكردية الخالصة، مانحاً صوتاً هادراً لمن همشهم التاريخ.

فيلم "يو ل " Yol كأيقونة ومجاز سينمائي

تُعد تحفته الخالدة "يول" الطريق التي أتم إخراجها من داخل زنزانته وهرّبها إلى الخارج، وثيقة سينمائية نادرة تجسد ذروة عبقريته الفنية والسياسية. فقد اختار قصة خمسة سجناء سُمح لهم بإجازة قصيرة لزيارة عائلاتهم، ليطرح من خلالها مجازاً مزدوجاً وعبقرياً: "السجن الكبير" المتمثل في تركيا العسكرية، و"السجن الداخلي" المتمثل في القيود العشائرية والاجتماعية القاسية. ومن خلال الخط الدرامي للسجين الكردي، أظهر گوناي كيف أن الإنسان الكردي لا يعاني فقط من قمع الدولة، بل يواجه منظومة مجتمعية تضطهد حريته وكرامته، مؤكداً أن الحرية الحقيقية أبعد ما تكون عن مجرد مغادرة أسوار الزنزانة.

المحور الخامس: الخاتمة الإرث الخالد

رحل يلماز گوناي مبكراً في منفاه القسري بفرنسا عام 1984، لكنه ترك خلفه إرثاً فكرياً وفنياً لا يُبلى، محفوراً في ذاكرة السينما العالمية والتاريخ الكردي على حد سواء. لقد استطاع بصدق رؤيته وشجاعته النادرة أن يحول الشاشة الكبيرة من مجرد أداة ترفيه إلى ساحة نضال ومرآة حقيقية تعكس آلام وتطلعات الشعوب المقهورة. وبقيت أعماله، وفي مقدمتها "يول"، شاهداً خالداً على أن الفن الحقيقي قادر على كسر الجدران، وتخليد اسم فنان دافع عن عدالة قضيته حتى آخر نفس في عمره القصير.