11-08-2026

 

الزهايمر ليس خيانةً للعقل، بل ربما يكون فرصةً لنسيان ما تبقّى

 

وقف مذهولًا أمام بيت كبير، بدا له كأنه قلعة قديمة شُيّدت في زمن غابر، تحيط بها أشجار كثيفة تتشابك أغصانها كأنها تحاول حمايته من الغرباء الذين يأتون إليه من دون إذن

 

كانت عيناه غائرتين، تتحركان في كل الاتجاهات بقلق، وكأنهما تبحثان عن إجابة لسؤال لم يعد يعرف كيف يسوغه

 

أين أنا؟ ولماذا جئت إلى هنا؟

 

انتبه إلى صوت زوجته، التي كانت تمسك بيده اليمنى، وقالت له بهدوء

 

 أنت سوف تعيش هنا، في هذا البيت الكبير

 

قال بصوت خافت، كأنه يخاطب نفسه أكثر مما يخاطبها

 

 ربما صرتُ ثقيلًا عليكِ

 

أجابته

 

 لا، لكنني حقًا لم أعد أستطيع الاهتمام بك. أنا أيضًا أصبحت امرأة كبيرة في السن

 

كان ذلك تبريرًا تقوله أمام أبنائها والممرضة التي تنتظر استلامه. أما الحقيقة، فكانت تحمل أشياء كثيرة لم تفصح عنها؛ منها معاناتها الاقتصادية، والمشكلات التي كانت تقول للآخرين إنها لم تعد تستطيع تحملها، فضلًا عن سنوات طويلة من التعب والإرهاق

 

نظر إليها فاضل بعينين باردتين، لكن خلف بروده كان رجاء خفي

 

قال

 

 ربما صحيح أنكِ لم تعودي تستطيعين... لكنني أرغب في البقاء معكِ ومع أبنائي. وربما كنتُ غير جدير باهتمامكم، ولذلك تتركونني هنا رغم أنني لا أريد ذلك

 

ثم ودّع زوجته وأبناءه بعينين جامدتين. لم يكن يعرف ماذا يفعل أمام هذا الوداع، ولا كيف يعبّر عن تلك الغصة التي استقرت في قلبه، وكأنها شيء لن يمحوه ما تبقى من عمره

 

كانت تلك اللحظة فاصلة شطرت حياته نصفين

 

ماضٍ عاشه بينهم، وحاضر تُرك فيه وحيدًا

 

 

 

في الماضي، كانت الحياة قد أزهرت مع فاضل

 

وُلد فاضل عبود ناظم في الأول من آذار عام 1944، وقضى صباه وشبابه في منطقة الكفاح، إحدى المناطق الشعبية العريقة في بغداد

 

كان يعرف المنطقة وشوارعها وبيوتها كما يعرف خطوط راحة يده. كانت علاقته جيدة بأغلب الجيران، يتذكرهم بأسمائهم، ويعرفه أهل المنطقة جيدًا بنشاطه وحركته الدائمة ومساعدته للآخرين متى طلبوا منه ذلك، رغم بنيته الجسدية الضعيفة

 

وحين وقع انقلاب عام 1963 الدامي، تطوع فاضل لمواجهته والتصدي لمن قاموا به. استطاع أن يتخفى بين الناس، وكان أهل المنطقة سندًا له في تلك الظروف الصعبة

 

مضت الأيام والسنوات، تقطع من عمر الإنسان كحد السيف، من دون أن نشعر بها إلا بعد فوات الأوان

 

وفي ثمانينيات القرن الماضي، هاجر فاضل مع عائلته عنوة إلى إيران

 

هناك، أدرك أن جزءًا كبيرًا من عمره قد ضاع في الهروب بين المدن، بعيدًا عن وطنه، وبعيدًا عن الحياة التي كان يتمنى أن يعيشها

 

وفي تسعينيات القرن الماضي، قرر الهروب مرة أخرى، وكانت وجهته السويد

 

قُبل لاجئًا هناك، لكنه وصل إليها في عمر لم يعد يسمح له بالحصول على عمل بسهولة، فقد تجاوز الخمسين، فحصل، وفق النظام والقانون، على إعانة اجتماعية

 

في بداية حياته في السويد، شعر فاضل بشيء من الاستقرار. كان سعيدًا بعائلته، وبالحياة الجديدة التي وجد نفسه فيها بعد سنوات طويلة من الخوف والتنقل

 

لكن السنوات الأخيرة من حياته حملت له أخطاء لم يكن يعرف وقتها أنها ستلاحقه حتى نهايته

 

كان يأخذ القسم الأكبر من راتب الإعانة الاجتماعية وينفقه على القمار، أو ما يُسمى هناك باللوتو». كان يحلم بأن يربح آلافًا كثيرة، وربما مليونًا يغيّر به حياته

 

لكن مسعاه كان يخيب في كل مرة

 

وكانت الخسارة تتركه حزينًا مكتئبًا، فتزداد حالته النفسية سوءًا. وحين تضيق به الدنيا، كان يهرب إلى بيت صديق قريب منه جدًا، يعرف تفاصيل معاناته كلها

 

وكان فاضل يقول في نفسه

 

هنا الصداقات ليست مثل العراق... تحس أن الناس هنا تشعر بثقل الضيف

 

 

 

ظل فاضل واقفًا متجهمًا، بلا حراك، كخشبة غُرست لتوّها في الأرض، تنتظر من يقتلعها من مكانها

 

جاءت الممرضة، وأمسكت بيده اليسرى

 

شعر برجفة تسري داخل جسده النحيل الخاوي من القوة

 

قالت له

 

 أنا اسمي ليندا. جئت لمساعدتك

 

سألها

 

 أين أنا؟

 

أجابته

 

 أنت في المستشفى

 

نظر إليها بحيرة، ثم أخذ يحاول أن يستعيد شيئًا من ذاكرته، وكأنه يبحث داخل رأسه عن سبب وجوده هنا

 

قالت

 

 زوجتك أخبرتنا أنك لم تعد تتذكر الكثير من تفاصيل حياتك ويومك، ولذلك تحتاج إلى رعاية. هذا هو المكان الذي يمكن أن يساعدك على تحسين وضعك

 

تركت يده، ثم أشارت إليه

 

 تعال معي إلى الغرفة لنتحدث قليلًا

 

كان فاضل يشعر بخيبة وإحباط عميقين. أطرق رأسه إلى الأرض وسار خلفها من دون أن ينطق بكلمة

 

جلسا قبالة بعضهما

 

سألته

 

قل لي اسمك وتاريخ ميلادك

 

أجاب

 

 اسمي فاضل عبود ناظم. مواليد 1-3-1944

 

ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت

 

 شكرًا

 

ثم أضافت

 

 لدينا هنا نظام يجب الالتزام به حتى نساعدك على استعادة ذاكرتك تدريجيًا. هناك مواعيد للنوم والاستيقاظ، ولا يجوز أن تخرج بمفردك، وهناك بعض التعليمات الأخرى التي يجب الالتزام بها

 

استمرت ليندا في الحديث، بينما كان فاضل يستمع إلى الشروط التي ينبغي عليه الالتزام بها

 

لكن ذهنه كان في مكان آخر

 

كان شاردًا في الماضي، يستعيده مثل شريط فيلم قديم، بالأبيض والأسود؛ طفولة، وشباب، وبيت، وأصدقاء، وزوجة، وأبناء

 

تذكر الفرح الذي كان يعيشه مع عائلته في بداية وجوده في السويد

 

وتذكر، أيضًا، ما فعله في السنوات الأخيرة من عمره

 

كان يلوم نفسه

 

لم يكن المال وحده هو المشكلة، بل ما سببه المال من خلافات، وما صنعه القمار من مسافة بينه وبين زوجته وأبنائه

 

كان يعرف في داخله أنه أخطأ، لكنه لم يكن يعرف كيف يصلح ما أفسده

 

 

 

قالت ليندا بلطف

 

هل هذا واضح؟

 

رفع رأسه قليلًا

 

 نعم

 

 هل لديك أي سؤال؟

 

قال

 

 كلا

 

لكنه في الحقيقة لم يكن يشعر بأنه في عالمه

 

كان يشعر أنه تُرك بين أناس لا يعرفهم، في مكان لا يعرفه، وأن كل ما حوله أصبح غريبًا

 

لاحظت الممرضة ذلك، فقالت

 

 هذا طبيعي. من الطبيعي أن تشعر بالغربة في البداية، لكنك ستعتاد على المكان تدريجيًا، مثل غيرك ممن جاؤوا إلى هنا للمرة الأولى

 

ردد فاضل، وكأنه يقنع نفسه

 

طبعًا... طبعًا... سأتعود

 

ثم تمتم بلهجته الشعبية العراقية

 

( غصبن عليّ وعلى الخلفني)

 

ابتسمت ليندا، ثم قالت

 

 تعال معي إلى الغرفة المخصصة لك، وستكون مع شخص آخر

 

تغير وجه فاضل قليلًا

 

 شيء جيد... يوجد شخص آخر أستطيع أن أتحدث معه

 

قالت

 

 نعم، لكنه يتحدث السويدية

 

توقف فاضل لحظة

 

ربما هذه ورطة

 

ثم قال في نفسه

 

كيف أتحدث معه عن ذكرياتي وأنا لا أجيد اللغة جيدًا؟

 

تنبهت الممرضة إلى أن اللغة قد تكون عائقًا بينهما، فقالت مطمئنة

 

 لا تقلق. سأجد لك حلًا مناسبًا خلال اليوم أو غدًا. لدينا هنا أشخاص يتحدثون العربية أيضًا، وهم يخضعون للعلاج

 

فتحت أسارير وجه فاضل قليلًا

 

ربما يستطيع أن يتحدث أخيرًا مع شخص يفهمه

 

شخص يستطيع أن يسمع ما في داخله، ويحمل عنه بعض ذكرياته

 

فقد تعب من حملها وحده طوال سبعين عامًا

 

 

 

أشارت ليندا إلى السرير الذي سينام عليه، ثم إلى دولاب الملابس، وبعدها همّت بالمغادرة

 

التفتت إليه وسألته 

 

 هل لديك سؤال آخر ترغب في طرحه؟

 

قال فاضل

 

نعم

 

 تفضل

 

تردد قليلًا، ثم سأل بصوت خافت

 

متى تزورني زوجتي وأبنائي؟

 

أجابته

 

 سيأتون عندما يكون الوقت مناسبًا لهم. يمكنهم المجيء يوميًا أو كل أسبوع، وهذا جزء من العلاج أيضًا

 

قال

 

 شكرًا

 

غادرت ليندا الغرفة

 

بقي فاضل وحده

 

نظر إلى السرير، ثم إلى الباب الذي أغلقته خلفها

 

جلس ببطء

 

وفي تلك اللحظة شعر أن الموت قد مرّ من أمامه، لكنه لم يأخذه معه

 

فقط تركه هناك

 

وحيدًا

 

قال في نفسه

 

سأكون شبحًا يطارد نفسه

 

ثم رفع عينيه نحو الباب، وكأنه ينتظر أن يُفتح في أي لحظة

 

كان ينتظر زوجته

 

كان ينتظر أبناءه

 

وكان، قبل كل شيء، ينتظر أن يعود إليه شيء من ذلك الماضي الذي ضاع منه

 

شيء من الوفاء