قالوا: إن الإنسان حين يفقد وطنه، ربما يفقد القدرة على امتلاك وطن آخر 

فالإنسان يبني المدن، وبعدها تصبح تلك المدن جزءًا مهمًا من تاريخ حياته وذاكرته 

لم يخطر على بال حسوني العاشق أن يعيش في آخر سنوات عمره المتبقية في هذه الحياة، في مدينة صغيرة تنعم بالهدوء والسكون. مدينة هادئة وديعة، يشعر فيها بأنه يعيش بمعزل عن الآخرين، وربما يظن أن الناس هنا يعيشون هم أيضًا بعزلة عن بعضهم البعض. لم يحظَ طوال سنوات حياته السابقة بهذا الهدوء وهذا السكون 

المدن التي مرّ بها لم تكن مدنًا للسياحة، لكنه كان مضطرًا إلى العبور فيها. ولم يبقَ من ذكراها إلا القليل، لكنها بقيت ذاكرة جميلة وراسخة عند أولئك الناس الذين عاشوا فيها طفولتهم وصباهم وشيخوختهم 

جاء حسوني العاشق إلى هذه المدينة، فالين تونا، التي تقع إلى الشمال من وسط استكهولم. شاءت الظروف أن يحصل على بيت فيها، وهو في عمر تجاوز الخامسة والثلاثين، مع زوجته 

وفي مدينة فالين تونا، اعتاد وجوده معها، واعتادت هي أيضًا وجوده، وبشكل خاص بعد أن رُزقا بأبناء وُلدوا وعاشوا فيها طفولتهم وصباهم. وبدأت المدينة تترسخ تدريجيًا في ذاكرتهم، بعدما قضى فيها أكثر من نصف عمره، وقد تجاوز السبعين 

هذه المدينة، التي ذُكر اسمها لأول مرة عام 1253، لها تاريخ عريق يعود إلى العصر الحجري، قبل نحو ستة آلاف سنة، حين كانت عبارة عن أرخبيل، وكان سكانها يعيشون على صيد الفقمات، وهم دائمًا في حالة ترحال وتنقل. ثم دخلتها الحداثة عام 1906 

لكن ذاكرة الطفولة المترسخة في الجذور تبقى دائمًا حية، تذكّرك بمدينتك الأولى التي عشت فيها طفولتك وصباك وفترة شبابك: مدينة الحرية، بغداد 

بغداد التي هي عراقة التاريخ، ومنها وإليها. مدينة تلعب معها وفي شوارعها، وتسهر وتنام على حزنها وفرحها. ربما تعاتبنا وتحزن علينا لأننا تركناها، وترَكنا معها أناسًا لا حول لهم ولا قوة 

تركنا وراءنا ذاكرة موجعة ومفرحة في آنٍ واحد؛ موجعة بتعسف السلطة، وبعض العادات السيئة في المجتمع التي تجعلك تشعر أنك خارج الحياة، وأن عليك أن تكون على هامشها. ومفرحة لأنك كنت تعيش بين أهلك وناسك، وتشعر بدفء الانتماء إليهم، مهما كانت قسوة الحياة 

في المدن الصاخبة يحدث كل شيء؛ الحزن والعويل، وحتى الموت. لكنك تطمئن نفسك بأنك تعيش في كنف المدينة، بالرغم من أنك تعرف أن هذا الحزن لا ينتهي. وحتى عندما يأتي يوم رحيلك عن هذه الدنيا، يلاحقك الحزن والعويل إلى القبر، لكنك تشعر بالدفء تحت جناح أضوائها 

أما الآن، في عمر الشيخوخة، وهو يعيش في مدينة فالين تونا الهادئة، تحت كنف السكون والطمأنينة إلى حد كبير، فقد اعتاد صمتها وهدوءها. وربما أصبح سعيدًا بها إلى هذه اللحظة التي يعيش فيها معها، ويتمنى أن تكون نهاية رحلة حياته هادئة، من دون سماع ذلك العويل والحزن الذي يقطع شرايين القلب 

أن تكون نهايته في روضة أو حديقة غنّاء، مكانًا هادئًا يستحق أن يُدفن فيه... لكن 

عندما يأتي الليل في هذه المدينة، فالين تونا، تشعر أن الليل نائم، لا يبالي بعزلتك ولا بوجعك الذي يأتي أحيانًا على حين غرة. حينها تكون لديك رغبة في أن تصرخ بصوت عالٍ، لتفزع هذا السكون المحيط بك 

لكنّك تشعر أنه لا شيء حولك سوى السكون والوجع، وهما وحدهما اللذان يسهران معك 

ومع كل هذا، تريد أن تعيش أطول فترة ممكنة من عمرك المتبقي، حتى لو تجاوز عمرك التسعين عامًا 

في مدينة طفولة حسوني العاشق، تسير الحياة والموت معًا، ويسير الحزن معه ويحمله، حتى يأتي اليوم الذي يغادر فيه الحياة 

تبقى مدن الطفولة حية وراسخة في العقل والقلب، أما مدن الشيخوخة، فقد فقدت جذورها في الأرض، كأنها شجرة غُرست في غير أوانها، رغم أن الأرض واحدة