سبع سنوات مرت على انتفاضة تشرين المجيدة، التي أعادت للعراقيين شيئا من كرامتهم وكسرت حاجز الخوف، وقالت بوضوح إن العراق ليس مزرعةً للأحزاب، ولا ملكية تتقاسمها قوى السلطة، ولا ساحة مفتوحة لانتهاك سيادته والاعتداء على قراره الوطني.
تشرين لم تكن حدثا عابرا ، بل لحظةً فارقةً أعادت للشارع السياسي العراقي حضوره، وكشفت عن عجز منظومة المحاصصة ببناء دولة المواطنة التي تحترم مواطنيها. خرج فيها جيل كامل مطالبا بوطن لا تُحدد فيه قيمة الانسان بانتمائه، ولا تُمنح فيه الحقوق بحسب قربه من السلطة، بل بالمواطنة والقانون.
بعد مرور سبع سنوات، ما زالت الأسباب التي دفعت العراقيين الى الشوارع حاضرة في المشهد السياسي، وإن تبدلت بعض تفاصيلها. فما زالت المحاصصة تلقي بظلالها على الدولة، وما زال الفساد والنفوذ الحزبي يضعفان مؤسساتها، فيما بقيت دماء ضحايا تشرين جرحا مفتوحا ينتظر العدالة.
في المقابل، يبقى التظاهر والتعبير عن الرأي حقا دستوريا لا جريمة. ومن حق العراقي أن يرفع صوته احتجاجا على الفساد وسوء الإدارة وانتهاك الحقوق، وأن يطالب بالاصلاح والتغيير بالوسائل السلمية والدستورية. فالقمع لا يلغي المطالب، والخوف لا يصنع استقرارا دائما.
لكن تشرين لا يمكن أن تبقى ذكرى نستعيد صورها كل عام ثم نعود الى بيوتنا. فاذا كانت أسبابها ما زالت قائمة، فان تجديد روحها يصبح ضرورة وطنية ومدنية، لا بتكرار الماضي، وإنما ببناء حراك شعبي سلمي واسع، واع ومنظم، يستعيد للمواطن دوره ويضع تغيير قواعد النظام السياسي في مقدمة أولوياته.
تجديد تشرين يعني أن يتحول الغضب الى ارادة، والرفض الى فعل، والذكرى الى بداية جديدة. يعني أن يكون الهدف واضحا: الخروج من نظام المحاصصة نحو دولة المواطنة، وإنهاء هيمنة الأحزاب على مؤسسات الدولة، ومكافحة الفساد، وحماية الحريات، وترسيخ استقلال القضاء، وتحقيق العدالة لضحايا الاحتجاجات.
العراق لا يحتاج الى محاصصة أكثر عدلا، بل الى دولة يتساوى فيها الجميع أمام القانون، دولة يكون فيها الانتماء الوطني فوق الانتماءات السياسية، والمؤسسات فوق النفوذ، والمواطن شريكا في صناعة القرار لا مجرد صوت انتخابي.
لهذا، فان الذكرى السابعة لتشرين يجب ألا تكون وقفةً عند الماضي، بل نقطة انطلاق نحو حراك شعبي سلمي يستعيد أهدافها ويجدد حضورها في الشارع والمجتمع. فالشعوب لا تغيّر واقعها بالانتظار، وإنما بالوعي والتنظيم والتمسك بحقوقها.
لا نريد كلمات عن تشرين، بل عدالة. لا نريد وعودا بالاصلاح، بل تغييرا. لا نريد محاصصةً أكثر تجميلا، بل دولة مواطنة.
وإذا كان الرهان على أن الزمن سينهي تشرين، فان تجديدها هو الرد: تشرين لم تمت، لأنها لم تكن مجرد احتجاج، بل كانت فكرة وطن ما زال العراقيون يحلمون به.