لم تكن أزمة اليسار العراقي، في جوهرها، أزمة أفكار، فالواقع الذي أنتج الفقر والاستغلال والتهميش ما زال قائما، بل اتخذ أشكالا أكثر تعقيدا. الأزمة هي في المسافة التي اتسعت بين هذه الأفكار وبين حركة المجتمع، وبين امتلاك النقد وبين القدرة على تحويله الى قوة اجتماعية فاعلة.

اليسار لا يستمد مبرر وجوده من اسمه ولا من تاريخه فقط، وإنما من موقعه في الصراع الاجتماعي بشكل اكبر. وحين تتسع الفوارق الطبقية، ويصبح العمل هشا، والثروة مركزة في أيدي أقلية، وتتحول الدولة الى ساحة لتوزيع النفوذ والمصالح، فان السؤال اليساري يعود بالضرورة: من يملك؟ من يعمل؟ من يقرر؟ ومن يدفع ثمن هذا النظام؟

هنا تحديدا تقع مسؤولية اليسار العراقي. ليست مهمته أن يكون صدى لغضب الناس، ولا أن يكتفي بوصف الخراب، بل أن يكشف جذوره المادية، وأن يربط بين ما يبدو مطالب متفرقة وبين مصالح اجتماعية مشتركة. العامل والعاطل والموظف وصاحب الدخل المحدود والطالب والمرأة العاملة ليسوا جزرا منفصلة، خلف معاناتهم علاقات اقتصادية وسياسية يمكن فهمها وتغييرها.

والاستنهاض، بهذا المعنى، ليس صناعةَ جمهور من خارج المجتمع، بل بناء وعي من داخل تناقضاته اليومية. يبدأ من التنظيم، ومن النقابات والحركات الاجتماعية والثقافة، ومن استعادة السياسة بوصفها فعلا جماعيا لا موسما انتخابيا.

بعد سبع سنوات على تشرين، تبدو المسألة أوضح: المجتمع العراقي لم يفقد قابليته للحركة، لكن القوى التي تريد أن تمنح هذه الحركة معنى تاريخيا ما زالت مطالبة بإثبات قدرتها. فاليسار الذي لا يصل الى الناس يبقى فكرة، واليسار الذي يصل إليهم ولا يغيّر ميزان القوة، يبقى احتجاجا مؤجلا.

النصير الشيوعي، العدد 51 السنة الخامسة، تشرين الاول 2026