(( في خضم الحياة وسنوات النضال الطويلة، يستذكر الرفاق الأنصار ادوارهم في الحزب الذي رفعوا رايته عاليا. من بين هؤلاء الرفاق، النصير الشجاع والمثقف جادر ربح ساهي (جابر) الذي له تحليلاته الخاصة لبعض مفاصل العمل السياسي والمسيرة النضالية للحزب، والتي يطرحها بكل جرأة، مستندًا الى أسس النظرية الماركسية التي توسَّعَ في إدراك جوانبها الأساسية. واعتزازا بتاريخه، وللإطلاع على تجربته الأنصارية، أجرت معه جريدة (النصير الشيوعي) في 17 كانون الاول 2025 هذا الحوار )):

النصير الشيوعي: قبل ان نتحدث عن حركة الانصار في جبال كردستان، نود ان نتعرف على نشأة وبدايات الرفيق جابر؟

- أنا من عائلة كادحة، تمتد جذورها إلى مدينة (سوق الشيوخ)، القضاء التابع لمحافظة ذي قار، والدي من هناك، ووالدتي من مدينة العمارة. انتقلا الى بغداد في بداية الخمسينيات للبحث عن عيش افضل، فعمل والدي في مجال (جَلي وتلميع المصوغات الذهبية).

ولدت عام 1956 ببغداد (منطقة المهدية ــ شارع الكفاح ــ ساحة زبيدة)، لكننا انتقلنا الى مدينة الثورة حيث حصلنا على قطعة ارض بناءً على قرار توزيع الأراضي للفقراء من قبل الزعيم عبد الكريم قاسم، وشيدنا عليها بيتاً متواضعاً. أصبحنا من سكّان مدينة الثورة، التي كانت ولا زالت، موردا للمعرفة والثقافة، حيث خرج منها العديد من المثقفين والفنانين والادباء والرياضيين، كما انجبت خيرة المناضلين الوطنيين، وقدمَّت آلاف الشهداء من أجل الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية. في هذه المدينة الثائرة، ترعرعتُ، وفيها تفتًّحت عيناي على وعي الشباب الشيوعي، فوجدت طريقي الى الحزب الشيوعي العراقي عام 1974.

النصير الشيوعي: بعد عام 1977، بدأت ظروف العمل السياسي تتغير، كيف واجهتم الاحداث والتحولات الجديدة؟

- في بداية السبعينيات، كانت مدينة الثورة منبعا للفكر التقدمي، مما جعلها واحدة من معاقل النضال السياسي للحزب الشيوعي العراقي، خاصة خلال فترة الانفتاح النسبي (الجبهة الوطنية). في تلك الفترة، وعمري 18 سنة، كنتُ اعمل ضمن (التنظيم المحلي العمالي) في مدينة الثورة، وكانت لنا نشاطات سياسية وجماهيرية عديدة ومتنوعة، لكنّ صلتي بالتنظيم انقطعت بسبب إلتحاقي بالخدمة الالزامية، حيث القرار اللاوطني الذي فرضه البعثيون بمنع اي تنظيم داخل الجيش باستثناء حزب البعث. في ذلك الوقت كان مسؤولي الحزبي هو الشاعر الشعبي سهيل كريم الرماحي، لكني واصلت علاقتي بالحزب بشكل سري من خلال الرفيق عزيز بطيخ ساهي (ابن عمي) الذي إختطفه نظام البعث ورحل شهيدًا. كنّا نحصل على جريدة (طريق الشعب) مكتوبة على ورق شفاف، نتابع اخبار ونشاطات الحزب في الخارج، ثم نقوم بأتلافها.

عندما اشتدت الحملة ضد الشيوعيين، تركت عملي في الصياغة التي كانت محلاتها تحت المراقبة في كل المناطق، ولجأت الى العمل في معمل (تصنيع بوكسات – صندوق كهربائي)، مديره من الاخوة الكورد اليساريين. كان اختياري لهذا المكان بهدف الاختفاء لا اكثر.

واصلت العمل حتى تمت دعوتي لخدمة الاحتياط عام 1980. في سنة 1981 نُسبت الى الفرقة الثامنة ومقرها في خانقين. بعد شهر من إلتحاقي، أعتقل ابن عمي ومسؤولي الحزبي الرفيق (عزيز بطيخ ساهي)، فقررت الهروب من الجيش ومغادرة العراق مهما كان الثمن. اثناء الإجازة الدورية العسكرية، نسَّقتُ مع أحد المعارف للسفر الى مدينة الرطبة العراقية الحدودية، ومنها الانتقال الى حصيبة، ثم الى البوكمال في سوريا. هكذا نجحتُ في دخول الأراضي السورية. اتصلت بمنظمة حزبنا هناك، وطلبت الالتحاق بالحركة الانصارية، الا ان الرفاق طلبوا منى ان اسافر الى لبنان للتدريب العسكري، فسافرت الى (بيروت)، ثم الى (النبطية)، حيث مقرات المنظمات الفلسطينية والحركة اللبنانية ومنها الحزب الشيوعي اللبناني.

النصير الشيوعي: تزامن وجودكم في بيروت مع الاجتياح الاسرائيلي لها، هل من ذكريات عن تلك الايام الصعبة؟

- عندما حصل الاجتياح في 4 حزيران 1982، شكّل الحزب فصيل من الشيوعيين العراقيين، وبمتابعة من قيادة الحزب المتواجدة هناك. تدربنا على سلاح (آر.ب.ج.). كما ان بعض الرفاق كانوا من ضمن الفصائل الفلسطينية (الشعبية، الديمقراطية، فتح). بعد القصف المكثف ووصول القوات الإسرائيلية الى مناطق قريبة، تم الانسحاب الى منطقة (الدامور)، ثم منطقة (خلده) والانتقال الى بيروت الغربية و (الفاكهاني). حين أطبق الحصار من جميع الجهات، وكُثف القصف بآلاف الاطنان من القنابل، تم إتفاق القوى المتحاربة ومن بينها إسرائيل وأمريكا والحكومة اللبنانية، على خروج ما أسموهم بــ"الغرباء"، فانسحبنا على ظهر باخرة يونانية إلى ميناء طرطوس السوري.

النصير الشيوعي: كيف ومتى وأين إلتحقتم بالحركة الأنصارية في جبال كوردستان العراق؟

- سكنت والفقيد عادل طه سالم في بيت حزبي في (مساكن برزه). تفكيري منصبا على كيفية  دعم الحزب الذي تعرض لهجمة وحشية ظالمة. لم يكن انسحابي من الجيش العراقي خوفا، إنما لقضية مبدئية، يجب أن ادافع عنها. لم افكر بالسفر الى اوربا، انما تحركتُ وعدد من الرفاق ومن خلال الحزب، الى مدينة (القامشلي).

بعد فترة، غادرت مفرزتنا القامشلي باتجاه كردستان العراق، وضمت الانصار (صمد عباس (أبو صارم)، دجلة، عماد الطائي، دكتور توما (زكي)، نادية، وأنا). في الطريق انضمت مفرزتنا الى مفرزة الفقيد (أبو عايد)، وتحركنا معا باتجاه مقرنا في قاطع بهدينان. عندما وصلنا الى المقر، بقي بعض منّا فيه، واخرون واصلوا السير الى (سوران). وصلت نهاية عام 1982 الى (بشتاشان) القاعدة الكبيرة التي تضم مقرات (الإعلام والإذاعة والمكتبين العسكري و السياسي، وفصائل الحماية).

النصير الشيوعي: شاركتم في معارك بشتاشان، مالذي بقي عالقا في ذاكرتكم بعد هذه الفترة الطويلة؟

- نُسبِّتُ الى مقر الفوج مع الانصار (ملازم هشام، أبو وسن، أبو عبود، أبو زهرة نيكوتين) وغيرهم. تقع قرية (بشاشتان) على سفح جبل قنديل شديد الوعورة، معزولة وبعيدة عن قواعد الأنصار الأخرى، ويصعب تأمين الحاجات الضرورية إليها. أما (إلاذاعة) فوضعناها على أحد التلال القريبة، وهي مصدر مهم لاعلام الحزب.

في 30 نيسان 1983، والوقت منتصف الليل، كلفني المسؤول بحمل قاذفة (آر. ب. ج) ومعها 8 قنابل، بالاضافة الى مسدس عند الحاجة. ذهبنا الى قرية (كاني ساوين)، وفي فجر الأول من آيار، بدأت قوات (الاتحاد الوطني) هجومها الغادر من عدة محاور. للأسف لم نضع في بالنا السيطرة على القمة (المخروطية) التي تفصلنا عنهم، وهي قمة مهمة من الناحية العسكرية، فنصب سلاح الدوشكا فوقها سوف يعرقل هجومهم، الاّ انهم استولوا عليها في الساعة الثانية ظهراً. كنت آنذاك مع عدد من المقاتلين، منهم الشهيد (مام رسول)، لم يكُ لدينا ذخيرة ولا تموين، وما بحوزتنا لا يكفي أن نجابه به قوة تفوقنا عدداً وعدة!.

وبالرغم من عدد المهاجمين الذي يقدر بنحو 700 مقاتل، وعددنا 25 نصيرا، الاّ اننا قاومنا من الساعة الخامسة صباحا حتى الثانية عشر ظهرا وببطولة نادرة. استشهد عدد من الأنصار، منهم النصير البطل الاسطوري (مام رسول)، قاتل واقفا، والنصير (أبو سعد). أما أنا، فقد أطلقت 7 قذائف، ثم انسحبت مع القذيفة الأخيرة، حيث جُرحت في يدي اليمنى وتدحرجت الى الوادي.

التقيت بالصدفة مع النصير (فرهاد)، لننسحب بين الأشجار الكثيفة حيث التقينا مع مفرزة القائد الانصاري (أبو عامل)، فأصبح مجموعنا حوالي 60 نصيرا. كنت احمل المسدس في يدي اليسرى، وقد تم علاجي سريعا بربط الجرح.

لم يكن موقع بشتاشان صالحا من الناحية العسكرية، وكان على الحزب ان يبقى بعيدا عن احتراب الحزبين (أوك و حدك)، فالصراع بينهما قديم ومتجذر. اعتقد انَّ سوء التقدير والثقة الزائدة، من بين الأسباب التي أدت الى هذه المذبحة!.

النصير الشيوعي: قبل ان نختم معكم هذا اللقاء الجميل والغني بالمعلومات، والذي نشكركم عليه كثيرا، نود ان نسمع منكم كلمة اخيرة؟

- الحديث عن تلك السنوات يطول، عشنا الجوع والحرمان من ابسط مستلزمات الحياة الانسانية الطبيعية. بالنسبة لي، اعتبرها من اعظم فترات حياتي. مدرسة تعلمت فيها (الشجاعة والصبر والصدق والإخلاص). اما الشهداء، فهم خيرة ما أنجبه الشعب العراقي، كانوا من مختلف الفئات والانتماءات والمهن والشهادات. ضحوا بحياتهم من أجل بناء عراق حر ديمقراطي، يعيش فيه شعبنا بسلام وامان، علينا ان نتذكرهم دائما ونمجد تضحياتهم. إنَّ "تاريخنا الانصاري"، يجب ان يكون جزءًا من تاريخ شعبنا النضالي، لكي تتذكره الأجيال.

النصير الشيوعي العدد 43 السنة الرابعة شباط 2026