في سبعينيات القرن الماضي، عملت في مصافي نفط الدورة كمشغل وحدات تصفية نفط. أُستدعيت في أحد الايام من قبل الأمن، وطلبوا مني الانتماء لحزب البعث، لكني رفضت ذلك، فنقلوني مع رفيق آخر الى مصفى بيجي الذي تم افتتاحه حديثا. كان هدفهم مراقبتي وربما تصفيتي، حيث واجهتني فترة صعبة، خاصة مع العاملين في المصفى، فهم بعثيون وأبناء منطقة واحدة. الاّ ان الحزب في نهاية 1978، اخبرني بضرورة ترك العمل ومغادرة العراق سرا.
تحدثت مع المدير، وهو شيوعي سابق. طلبت منه ان يمنحني اجازة لمدة شهر لاقوم بسفرة سياحية الى بلغاريا. قال لي: "من حقك ان تحصل على اجازة لمدة شهر، لكن لابد من موافقة الامن العامة، وهذا يؤخر سفرك"، واضاف: "صلاحيتي 10 ايام فقط، وفي هذه الحالة لا تحتاج الى موافقة امنية للحصول على جواز". شكرته، وأخذت الامر الإداري وسافرت الى بغداد بداية الشهر الاول 1979. ذهبت الى دائرة السفر والجنسية، وبالصدفة إلتقيت بـجاري وصديقي علي (ملازم اول). تفاجأ باللقاء، فنحن لم نلتق منذ فترة طويلة. بعد التحية والعناق دعاني الى غرفته وطلب لي شايا. تحدثنا كثيراً عن ذكرياتنا معا، ثم سألني عن سبب الزيارة؟، قلت: "جئت لاحصل على جواز سفر، لكنها صدفة جميلة ان التقيك". ضغط الجرس، جاء مفوض، وقال له: "اعمل جواز سفر لـ فاضل". أعطيته الأمر الإداري والصور والمبلغ المطلوب. عاد المفوض بعد فترة قصيرة وقال: "سيدي عليه منع"، ردّ علي: "اعمله بكفالتي". عمل جواز السفر الذي كُتب في احدى صفحاته (ليس المقصود بمنشور المنع)!.
سافرت بواسطة الحافلة الى سوريا. كانت رحلة طويلة ومعقدة الاجراءات. عندما دخلنا الحدود السورية، حصلت مفاجأة، ولولا الحظ والركّاب لذهبت إلى جهنم البعث السوري!. في الباص مجموعة نساء نجفيات يعرفن أقاربي، وربطتني بهن علاقة طيبة اثناء الرحلة، ولما طلبوا مني النزول من الحافلة، صرخن: "السيد ابننا". طلب رجل الأمن السوري ان اترك جنطتي واذهب معه، فكان الإشكال مجرد تشابه اسماء!.
في سوريا التقيت بالرفاق: (محمد الشبيبي، والرسام والخطاط عبد العال الرماحي، وآخر لا اتذكر اسمه). بعد فترة قصيرة سافرنا بواسطة الحافلات الى بلغاريا. انتظرت في بلغاريا حتى تم تبليغي بالسفر إلى لبنان. تدربت في (معسكر الناعمة) مع الرفيقين ابو هشام، والشهيد مقدام (ابو كفاح) على السلاح وحرب المدن. بعد اكتمال التدريب، سافرنا الى سوريا (الشهيد ابو كفاح، ابو هشام بعقوبة، ورفيق آخر، وانا)، نزلنا في فندق في دمشق، وفي اليوم التالي تحركنا باتجاه مدينة (نصيبين) التركية الحدودية، حيث التقيت برفيق الدرب الفقيد (ابو شوان). نمنا ليلتنا في احد فنادق (نصيبين)، وفي الصباح، جاء الرفيق أبو شوان ومعه سائق تكسي من حزب (كوك) التركي. قبل ان نتحرك، أعطانا فكرة عن الطريق مع تعليمات بأننا سواح، ثم جلس في مقدمة السيارة ومعه (كارتونات سگائر وكاميرا على كتفه). كان يعطي الجنود السكائر كلما توقفنا في سيطرة!، حتى قطعنا مسافة غير قليلة في جبال كردستان التركية، ثم توقفت السيارة، ورحنا نسير على اقدامنا حتى دخلنا في صريفة خوص (كبرة) لاستراحة الرعاة.
عندما دخلنا نحن الاربعة (الكبرة)، استقبلنا احد الرعاة وطلب منا مرافقته بسرعة. سرنا عبر الجبال والوديان حتى إلتقينا بمفرزة لرفاقنا قادمة من سوريا. كانوا في حالة يرثى لها، بسبب المشي المتواصل لمدة 15 يوما. فرحنا بلقائهم، وتحركنا معا حتى وصلنا الى (كَلي كوماته) الذي يفصله عن الجانب التركي نهر عرضه 5 امتار. من الطرائف: (ان الرفاق الذين سبقونا، وبسبب عدم وجود مكان مناسب، بنوا تواليت من (گواني الطحين والسكّر) على ضفة النهر الواقعة في الجانب التركي، مما جعله عرضة للتخريب من قبل الجنود الاتراك كلما نزلوا الى النهر!، لكننا نعيد بناءه من جديد!.
توجد في (گلي كوماته)، قاعة كبيرة لم تكتمل بعد. عملنا من اجل اتمام بنائها، متحدين البرد الشديد والمطر الغزير الذي إكتنف شتاء 1980. كان (الاسطة) هو البناء الماهر الشهيد أبو كريم الذي أضفى على اجواء العمل بهجة بددت التعب وحسنت المزاج. في تلك الاثناء، كنت احتفظ بمبلغ 200 دولار. اعطيت منها 100 الى الرفيق (خابات) ليشتري لي بدلة كوردية، والباقي يتبضع بها للمقر. هذه مجرد شذرات من سيرة طويلة.