في ذكرى رفاق الدرب العسير الذين رافقوني بإتجاه كلي كوماته ربيع 1980: الشهيد البطل خليل (خالد جسام) الذي قاوم الأوغاد حتى الرمق الأخير في ديالى، أحمد لعيبي (أبو إدراك)، عقيل هاشم (أبو آذار) و زيدون صبري (أبو عبود).

حين التقيت ابو إدراك "أحمد لعيبي" في براغ عام 1990 سألني: بعد كل هذه السنين وتغير المواقع،  مازلت لا أعلم من أوحى لك بفكرة الخروج ليلاً للبحث في الجبال عن دليلنا الضائع؟ وما كان مصيرنا لولا فكرتك الجنونية التي أتت لنا بدليل جديد؟ قلت: لا أدري.. إنعدمت السبل وأرعبتني فكرة تسليم أنفسنا للجندرمة كالطليان فكان لابد من تصرف.

ما زلت أتذكر للآن البيت الأخير في أطراف القامشلي الذي استخدمنا فيه العربية كلغة تفاهم، بيت الطين والشاب المضيف الذي خطّ على ورقة كارتون: "مقر فريق نشتيمان لكرة القدم"، وعلقها على جدار الطارمة، وأتذكر سؤاله الحائر: لا أعتقد أن سؤالكم عن وجهتكم ومهمتكم سيكون لائقاً، لكني مع ذلك سأسال، وأتذكر أنني قلت له: مهمة شريفة ياصاحبي فرد: أنا واثق من ذلك!

ما ان غادرنا هذا البيت المضياف، حتى إختفت ألسنتنا بإختفاء اللغة العربية من حيز التداول، وعدنا الى بدايات الحياة قبل أن يتعلم آدم اللغة. كنا نتفاهم عن طريق إشارات وتراكيب لغوية لايجمعها مع بعضها نحو ولا رابط. نعدو خلف الدليل كمشدودين بخيط خفي، يصعد نصعد وراءه، يهبط نهبط خلفه، يقف نقف مثل عربة قطار لاتستطيع حراكاً. أقدامنا الآن تتجه لإجتياز الحدود، ولكن أين تبدأ الحدود؟ تخوم خالية وجبال تتوسد الأفق اللامتناهي وتمسك بأيدي بعضها، كل يلتصق بالآخر. تجعّد وجه الأرض التي عرفناها مبسوطة لاتقاوم خطواتنا. كانت ظهورنا مثقلة بالأحمال. من بيروت حملت معي جهاز راديو متوسط الحجم وبضع بطاريات، عدة كتب، وحمّلوني أمتعة أخرى، بطانيتان مشدودتان لحقيبة محمولة على الظهر، في الحقيبة حاجيات متنوعة، أدوية، أكياس سكر وشاي، وصرر وصناديق مغلفة لا أعرف مابها. حمولة تناسب قدرات بغل يافع. كان الأمر في الساعات الأولى هيناً، ثم بدأت الجبال تصعد الى السماء ثم تهبط، وتعود صاعدة الى السماء وتهبط، وكنا بعد إكمالنا مهمة الصعود الشاقة ضد الجاذبية، نتخيل أنفسنا قد بلغنا المراد، لكننا لا نكاد نصل القمة حتى تبرز أخرى. كنا نعدو الليل كله وشطراً من النهار، مرة متسلقين وأخرى هابطين كأننا نطارد غزلاناً هاربة.  ثقلت الخطى، وبدأت الأرجل تتخشب فصار كل شئ ثقيلاً، وراح قانون الجاذبية يفتك بنا، أسفل الجبل جلس إسحق نيوتن يشدني الى الخلف، وفي أعلاه شيخ يومئ لي: "هيا تسلق .. بيشمركة عرب". كان دليلنا الشيخ الثمانيني يعب دخان سيجارة لا تنطفئ وهو يسخر من أرجلي التي تتمرد على أيعاز الدماغ..ياربي الى أين نحن ماضون؟  أجمل مايمكن تخيله الآن هو الصعود الى السماء عارياً، عارياً من كل شيء يشد الجسد الى أسفل، من الأحمال، من الملابس ومن هذا الجينز الذي يقيد الساقين، أصعد عارياً وحين يصيح بي الدليل : "هيه..هه فال ..أفه جيا ؟  عيبه بابا" سأقول له صه أنت يا أخ الكرد وقدنا نحو قمتك الراكضة، هنا سوف لن يرانا أحد، أين هي القمة التي تعدنا بها منذ البارحة ؟ لقد إنتهت الأرض، طفناها كلها مثل ماجلان  وها نحن نعود لذات الجبل فما فرق هذا الجبل عن الذي تسلقناه يوم أمس؟

ثقلَ كل شيء مستقر على ظهري، حتى الورقة أمست بثقل جبل، القصائد، والسطور، والفوارز، والحروف، وهمزات الوصل كانت تشدني للخلف، فكرت للحظة أن القي الكتب في كهف طعاماً لأغنام وماعز ستأتي لاحقاً. كنت أرتب في سري دفاعاً ضد ضميري الذي سيحاسبني على ترك الكتب التي لاتقدر بثمن حين أشار الدليل: إستراحت!.

لم أنم. كان ألم مفاصلي ممضّاً. كنت أرمم جسدي المتهاوي. فجأة وفي عمق الليل تراءى لي أن دليلنا قد هرب. لم أره في الكهف فنهضت فزعاً لأراه منتحياً جانباً قرب صخرة ممسكاً بسيكارته الأبدية متبادلاً معها حوار الحرق .. يمتصها فتلتهب، ثم تلهب هي أحشاءه، فينفث الدخان ويحدق في العتمة. عدت مطمئناً لكهفنا العابق برائحة العصر الرعوي. خفت أن ينتبه لي فيوعز لنا بالنهوض: نيف ساعت! عدت الى فراشي الوثير طبقة من روث ماعز جاف وأغصان شجر السرو. غصت مع هواجسي مناجياً نفسي، ماذا لو إنقطع الخيط؟ ماذا لو غاب الدليل فجأة؟ مات أو هرب أو أضرب عن العمل؟ من سيمسك بالحبل ثانية في هذه الجبال الخالية الا من دوريات الجيش التركي وبيوت الرعاة؟ كانت الأمور تسير بإنتظام دون أن تدع مجالاً للشك بتوقع حدوث خطأ ما، دليل يسلمنا لآخر، والآخر يسلمنا لثالث من دون أن نفهم شيئا أو نهتم لشئ .. ناموا ننام، أستعدوا .. نستعد، كلوا.. نأكل. كل شيء بلغة الإشارة .. ليل سهران متعب يلقي بنا الى أشداق نهار مازال يتثائب، فنغط نائمين منزوين بأحضان كهف لنستفيق قبل أن يغادر النهار، مستعدين للإنصياع اللامشروط لدليل آخر غير منتبهين لقدوم الكارثة.

النصير الشيوعي العدد 43 السنة الرابعة شباط 2026