مخرج عراقي يوثق بعدسته تجربة الأنصار في جبال كردستان
"يشكّل هذا اللقاء مع النصير المخرج علي رفيق إضاءة على واحدة من محطات مسيرته الطويلة، التي امتزج فيها الابداع الفني بالالتزام النضالي. فعلى امتداد عقود من العمل في المسرح والسينما والاعلام، ظلّ النصير (أبو ليث) يوظف الكاميرا والكلمة لتوثيق التجربة الانسانية والوطنية. وبمناسبة يوم المسرح العالمي، نستعيد مع علي رفيق جانبا من تجربته الفنية التي وثّقت جزءا مهما من حياة الأنصار، حيث التقى الفن بالواقع، وغدت الكاميرا شاهدا على زمن الكفاح والأحلام".
س: قبل التحاقك بالجبل، قطعت شوطا مهما في مجالات المسرح والتلفزيون والاذاعة والدراسة السينمائية. كيف تشكّلت بداياتك الفنية، وما أبرز المحطات التي أسست لتجربتك كمخرج وممثل؟
ج: تخرجت في معهد الفنون الجميلة – فرع التمثيل والاخراج – بغداد عام 1965، وفي معهد التدريب الاذاعي والتلفزيوني في بغداد عام 1972. وحصلت على (الماجستير) من معهد الدولة للسينما في كييف – أوكرانيا (الاتحاد السوفيتي) متخصصا بالاخراج السينمائي الروائي عام 1981. عملت بين 1965 – 1975 في المسرح المدرسي ببغداد / الكرخ مخرجا ومشرفا فنيا، وعملت بين 1964 – 1975 في الفرق المسرحية: مسرح 14 تموز، المسرح الشعبي، فرقة تلفزيون بغداد، ومسرح اليوم. ومثلت أدوارا مختلفة في العديد من المسرحيات: مصرع كليوباترا، أفكار صبيانية، الكنز الحمراء، مكبث، سجناء الطونا، أشجار الطاعون، الغريب، العطش والقضية، الينبوع وغيرها. أخرجت لأول مرة للمسرح العراقي عملا بريختيا بعنوان "القاعدة والاستثناء" لـ(برتولد بريخت) عام 1965، كما أخرجت العديد من الأعمال المسرحية الأخرى: المفتش العام: غوغول، السر: محي الدين زه نكنه، اغنية على الممر: علي سالم، طبيب رغما عنه: موليير، وغيرها. وكتبت لاذاعة بغداد برنامجا وثائقيا يوميا بعنوان (الأوائل) بثّ منه 150 حلقة، وبرنامجا دراميا أسبوعيا بعنوان (من أساطير الشعوب) إضافة إلى العديد من التمثيليات. وفي المسرح الأنصاري أخرجت مسرحيات: عند الموقد: ناظم حكمت، الليالي البيضاء/ ديستويفسكي، روح اليانورا/ لوناتشارسكي، كيف تركت السيف/ ممدوح عدوان وغيرها. وأعددت دراسة نشرتها في مجلة (الثقافة الجديدة)1990 بعنوان: (ببليوغرافيا العروض المسرحية في القواعد الانصارية) أحصيت فيها 96 عرضا مسرحيا. أما أعمالي في السينما فمنها: كرسي المدير العام، الليلة الثانية بعد الألف، حلبجة المدينة الشهيدة، ستون وجمر الكفاح يتقد، وتوثيق الحركة الأنصارية في فيلمين سينمائيين طويلين: "سنوات الجمر والرماد، نصيرات". كما عملت في أول فضائية عربية MBC بين لندن ودبي لسنوات طويلة. كما أنجزت مسلسلاً وثائقياً على يوتيوب بعنوان (ذاكرة الأنصار) وصل حتى الآن إلى 75 حلقة، وما زلت أواصل التوثيق التلفزيوني لنشاطات الجالية العراقية ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، ومنها وقائع ومجريات 132 أمسية للمقهى الثقافي في لندن.
س: بعد هذه التجربة الفنية في المسرح والاعلام، كيف حاولت تأمل وتوثيق حياة الانصار سينمائيا؟
وصلت إلى قاعدة (بشت آشان) بعد انتظار سبعة أشهر في القامشلي بسبب انقطاع الطريق، ثم سلكت مسيرة طويلة عبر الحدود السورية – التركية ومنها إلى العراقية مرورا بعدة مواقع. جلبت معي كاميرا سينمائية سوفيتية من نوع 16 ملم ثقيلة الحجم تُنصب يدويا مع كمية من الأفلام الخام وزنها نحو أربعة كيلوغرامات أحملها على ظهري مثل (حدبة)!، إضافة إلى البندقية ومخازن عتادها. وثّقت سينمائيا أثناء المسيرة حركة المفرزة وتفاصيل المحطات والمقرات التي مررت بها، وقضيت الأشهر الاربعة الاولى في (بشت آشان) أصوّر مفردات الحياة اليومية للانصار من خلال زيارات الفصائل حسب تخصصاتها ونشاطها اليومي والعسكري، مثل فصائل: آشقولكة وبيانا وبولي والمدفعية والاعلام والمدرسة الحزبية والمكتب العسكري والمشجب والدوشكا والطبابة والسجن، إضافة إلى قرية قرناقو وحياة فلاحيها وعوائلهم، وكذلك التموين والادارة.
كنت أتوق الى تصوير المفارز القتالية، فتحركت إلى وادي باليسان حيث مقر قاطع أربيل في شيخ وسان. كانت أكثر العمليات العسكرية تجري في الظلام لاسباب قتالية، ما جعل تصويرها متعذرا. لكني وجدت مخرجا لهذا الاشكال، وهو مرافقة المفارز الاستطلاعية التي تستكشف أمكنة الكمائن والطرق المؤدية الى مواقع العدو. وقد صورت هذه الحالات التي كان معظمها في المنطقة بين مدن أربيل ورانية وجوار قرنه وسنكسر. ثم انتقلت إلى الفوج 31 التابع لقاطع أربيل ومقره في جناران – جبل كوسرت على بحيرة دوكان، حيث كانت مفارزنا تستخدم القوارب للدخول إلى مدينة رانية بالتنسيق مع الرفاق صيادي السمك، وهي صفحة أنصارية لم يجر الحديث عنها الاّ أني وثقتها.
عدت إلى (بشت آشان) قبل الهجوم الغادر من قوات (أوك) والنظام في أيار 1983 وصورت المعارك وقتها. لكن الآمر العسكري كلفني بمهمة يستحيل معها أن أحمل كاميرتي، فوضعتها تحت صخرة ريثما أنجز مهمتي وأعود لها. غير أن العودة تعذرت، حيث اضطررت مع رفاقي الى الانسحاب. ومما يجدر ذكره أنني كنت كلما أنتهي من تصوير الفيلم الخام أستخرجه من الكاميرا بطريقة بدائية للحفاظ عليه من التعرض للضوء، ثم أغلفه بعناية لضمان سلامته أثناء نقله في ظروف جوية قاسية، ويرسل الى الخارج لتحميضه وطبعه وخزنه بشروط مناسبة الى أن تتاح لي فرصة الخروج للعمل عليه مونتاجيا. لاحقا علمت من رفاق قدموا من الخارج أن بعضهم شاهد المادة السينمائية التي صورتها، وكانت محفوظة في أرشيف الحزب في براغ وقسم آخر في موسكو. لكن لهذه القصة نهاية مأساوية أخرى، إذ بعد انهيار المنظومة الاشتراكية سيطرت استخبارات البلدين على الأرشيف وضاع كل شيء.
س: بعد فقدان الكاميرا في بشت آشان، كيف واصلت محاولتك لتوثيق تجربة الأنصار؟
ج: الكاميرا بالنسبة للسينمائي هي فكره وعينه وقلمه، وحين يفقدها كأنه يفقد سينماه. تلك كانت حالي بعد بشت آشان، لكنني لم أستسلم، وحاولت مع الرفاق في تأسيس الاعلام المركزي في قاعدة (لولان)، في مثلث حدودي بين ثلاثة بلدان، اثنان منها في حالة حرب. أعدنا تأسيس الاعلام المركزي بوسائل متواضعة: أجهزة تسجيل منزلية وبث أكثر تطورا، وانتقلت الطباعة من آلة الرونيو إلى الفوتوكوبي. واستجابة لطلبي، جلبوا كاميرا فيديو من نوع VHS / Home Video بتقنيات حديثة لم أكن أعرف أسرارها. فبدأت أفكّ طلاسمها بقراءة الكتيب الصغير المرفق بها (كتلوك)، لكنني اكتشفت أنهم جلبوها بلا بطارية، فولد الحلم ميتا من جديد. كان ينبغي العودة واقناع من بيده القرار ليجلب تلك القطعة الصغيرة التي تعيد الحياة الى هذه الآلة الصمّاء، لكن لا حياة لمن تنادي. لم يقوَ أحد على القيام بذلك، فبقيت الكاميرا جثة هامدة. ومع ذلك كنا نعاملها كما لو أنها مومياء عزيزة لا ينبغي التفريط بها. اكتشفت لاحقا أن الكاميرا يمكن أن تعمل أيضا بالكهرباء، لكن من أين أحصل على الكهرباء؟. تحقق ذلك أثناء تشغيل المولّد الكهربائي خلال البث الاذاعي. واستطعت تشغيلها وتصوير ما يجري في غرف المقر: غرف التحرير، المطبعة، والاستوديو ـ الخرابة. ربما كانت لقطات بسيطة ومتواضعة، لكنها عكست جانبا من واقع حاولنا توثيقه والتشبث به، واقعا كنا ندرك أننا قد نفقده.
في عام 1985 تقرر عقد المؤتمر الوطني الرابع للحزب في موقع (آرموش). وكنت احد اعضاءه، حينئذ راودتني فكرة التصوير. تحريت عن امكانية توفير الكهرباء، وعلمت انها ستكون متاحة طوال فترة انعقاده. سعيت للحصول على أشرطة فيديو من نوع VHS، وبعد نقاشات طويلة وتردد، تمت الموافقة على تزويدي بثلاثة أشرطة، مدة كل منها 180 دقيقة. لكن المشكلة القديمة استمرت: لم تُجلب البطارية، وكأن الأمر يتم مع سبق الإصرار، وهو لغز لم أستطع فكّه حتى اليوم. ومع ذلك تمكنت من تصوير تسع ساعات من وقائع المؤتمر ومجرياته، وكان مؤتمرا استثنائيا في حياة الحزب. شعرت حينها بارتياح كبير لأنني استطعت توثيقه. لاحقا سلكت تلك الأشرطة الطريق ذاته الذي سلكته أفلام الكاميرا "الشهيدة"، إذ انتهى بها المطاف الى الدفن في أرشيف براغ وموسكو. أما الكاميرا نفسها، فكنت أخرجها بين الحين والآخر، أنعاها وأعيدها الى مثواها. إلى أن سمعت أن رفيقي كاردو سينتقل الى بهدينان. ولأنه كان هو الآخر مولعا بالتوثيق الفوتوغرافي، رحب باقتراحي بأخذ الكاميرا معه، لعلهم هناك يتمكنون من العثور على ما يعيد لها الحياة. وهكذا ودّعت تلك الكاميرا أيضا.
وبالتوازي، شغلت عدة مواقع: مستشارا سياسيا لفصيل الاعلام المركزي، وعضوا في هيئة تحرير صحيفة طريق الشعب، ومشرفا على صحيفتي كفاح الطلبة والشبيبة الديمقراطية، اضافة الى عملي محررا ومذيعا في إذاعة الحزب وعضوا في هيئة تحرير مجلة ثقافة الأنصار.
في عام 1986 صدر قراراً بطردي من الاعلام المركزي، فانتقلت الى (بير بنان). لم يثن القرار من عزيمتي، وواصلت إلحاحي حتى حصلت على كاميرا سينمائية صغيرة من نوع 8 ملم، كنا نسميها في الحياة المدنية "الكاميرا العائلية". بواسطتها عدت الى توثيق حياة الأنصار، وسجلت أحداثا مهمة أخرى، منها عملية جراحية كبيرة أجراها كادرنا الطبي لشيخ إحدى القبائل، ومراسيم تشييع ودفن الرفيق الراحل مهدي عبد الكريم، وكذلك الاجتماع التأسيسي للجبهة الكردستانية عام 1987، إلى جانب أحداث أخرى من بينها اماسي ثقافية وعروض مسرحية ومعارض تشكيلية وغيرها.
ذلك الحرث والزرع الذي عزّ علينا حصاده، صار اليوم بحاجة الى أن يُروى من جديد، بوصفه حكاية أخرى ينبغي أن توثق، حتى وإن طلبت صحيفة النصير الشيوعي أن تُروى بعدد محدود من الكلمات. فليست المسألة رغبة أحد، بل تلك هي طبيعة الأشياء.