"يُعد المسرح الأنصاري تجربة ثقافية ونضالية فريدة في تاريخ الحركة الثقافية العراقية، إذ وُلد في ظروف قاسية بين جبال كردستان وفي قلب تجربة الكفاح المسلح للأنصار الشيوعيين العراقيين. ولم يكن هذا المسرح مجرد نشاط فني، بل كان وسيلة للتعبير عن معاناة الانسان العراقي وتطلعاته وأحلامه بالحرية والعدالة. ومن بين الأسماء الانصارية التي أسهمت بفاعلية في هذه التجربة يبرز الفنان موسى سباهي (حيدر أبو حيدر)، الذي جمع بين التمثيل والاخراج والكتابة المسرحية. فقد استطاع، مع رفاقه الأنصار، أن يحوّل بساطة الامكانات وقسوة الحياة الى طاقة ابداعية خلاقة. ومن خلال أعماله المسرحية الكثيرة، سعى الى نقل هموم الحرب والمنفى والانسان الى خشبة مسرح وُلد من رحم المعاناة. وهكذا أصبح المسرح الأنصاري فضاءً ثقافيا يقاوم القمع ويؤكد دور الفن في صون الذاكرة والهوية"

عام 1955م، وُلدت في مدينة البصرة، حين كانت صرائف شط الترك فيها حديث المناطق المجاورة لها، بسبب الحرائق التي تلتهمها بين الحين والآخر، حتى تجاوزت سمعتها حي المنكوبين. بعد كل حريق، لم يبق غير الرماد وبشر بلا مأوى يفترشون الأرض بجانب الشط، ولكن رغم كل هذه الفجيعة، تراهم في اليوم الثاني يشيدون اعمدة القصب والبواري من جديد وسط ضحكاتهم وسخريتهم من بعض الذين يعتقدون ان سبب فاجعتهم هو غضب رب العالمين!.

كانت بديعة (أم نجم) ملهمتي الأولى وأنا في سن العاشرة. تخرج يوميا الساعة السادسة صباحا، حاملة معها صور الأولياء وأهل البيت لتبيعها في سوق "خمس ميل". جمعت ثروة لا بأس بها من أجل زواج ولدها نجم، وايضا جمعت ثمن (الكفن والدفن حينما يأخذ الله أمانته)!. كنت مأخوذا بطريقة قصها لحكاياتها وتعاملاتها بالسوق وقدرتها على بيع بضاعتها. اسعار بضاعتها مختلفة، فصورة الامام علي مع الاسد لها سعر خاص، وصورة الامام الحسين وهو يرفع ابنه الرضيع سعر آخر. سألتها ذات يوم عن الصورة الأكثر رواجا في السوق، فقالت: "ابو الفضل العباس وهو مقطوع الذراعين والسهم بالقربة". من يومها تعلمت، أنَّ للصورة تأثير أكثر من الكلمة في حياة الناس.

قبل الحريق بأسبوع، ما انفكّ نجم يلحُّ على والدته بديعة، بتحويل النقود الى عملة ورقية لسهولة حملها إذا ما شبّ حريق في السلف، لانها كانت تحتفظ بها في "صفائح دهن الراعي" كبيرة الحجم، وترفض فكرة تحويلها لدنانير، لأنَّ "الكواغد" منحوسة كما تقول دائما.

ظلّ هاجس الحريق شغلها الشاغل، ودائما ما تكرر مع نفسها دعاء (دخيلك يا علي) من كلام نجم الذي ادخل في رأسها الوسواس. رضخت أخيرا لفكرة ابنها الجهنمية، وحولت العملة المعدنية لدنانير، ووضعتها في مخدة ولفَّتها بـ(ايزار) من الصوف. لم تمض أربعة أيام، حتى فاق الأهالي على صوت صراخ واستغاثة لحرائق لم يألفوها من قبل. لم يتمكن الرجال من اخمادها رغم قرب البيوت من الشط. ركض نجم بلباسه الداخلي نحو سوق "خمس ميل" ليخبر بديعة بالكارثة، وهو يلطم على وجهه ويصرخ بصوت عالٍ: (ولچ بديعه إنِّهبنه.. خايبه إحتركنا).

لم يمض على افتتاح "بسطيَّتها" الكثير من الوقت، عندما جاءها الخبر المشؤوم. حين سمعت استغاثة ابنها، أُغميَ عليها، لكن سرعان ما أسرع بائعو السمك، ليسكبوا عليها الماء الآسن، فاستفاقت، وراحت تلطم من جديد وتصرخ بصوت عالٍ: "كتلك لا تصرفهن دنانير"!.

لم يبق من مسكنها (صريفة القصب)، سوى تلة صغيرة من الرماد، اسوة بباقي بيوتنا المجاورة، حتى أصبح الحي كأنه خرج من الحرب للتو. مجاميع من الكلاب والقطط، مغطاة برماد القصب، بينما كنت واقراني نلتف حول حلقة النساء النائحات المواسيات لبديعة، ونكرر لازمتها (كلتلك لا تصرفهن دنانير)!، فيزيد من حزنها وحرقتها، بينما بقية النسوة يخفين ابتساماتهن من تحت العباءات.

بعد اسبوع، نُصبت بيوت القصب من جديد، ولكن بطريقة عصرية هذه المرة، حيث غطيت السقوف المصنوعة من البواري والجدران بالطين المخلوط بمادة التبن، لكي تتماسك أكثر، ومن أجل الوقاية من الحرائق. توقفت بديعة عن بيع الصور في سوق "خمس ميل"، واكتفت ببيع "الشلغم" امام مسكنها الجديد، بعد ان تركها "نجم" وسافر لمدينة "العمارة" هاربا من التجنيد.

عادت الحياة تدريجيا للحي، وصارت بديعة مضرب الأمثال. كنت أقلد مأساتها في ذلك اليوم المشؤوم، وأقلد صوتها وطريقتها بالنعي، وكذلك طريقة نجم بملابسه الداخلية، وهو يهرول إلى سوق "خمس ميل" لنقل الخبر الكارثة لأمه.

دائما ما كنت أقص الحكاية في البيت، وعند مجالس الرجال بطريقة مضحكة ومبالغ فيها، حتى أن بديعة كانت تبكي احيانا ويلازمها السعال من شدة الضحك، حين اروي قصتها بشكل تمثيلي وحكواتي، ولكنها دائما ما كانت تقاطعني حينما اخرج عن المألوف.

المدرسة

سبقتني شهرتي الى المدرسة، وأنا أقلّد حكاية دنانير بديعة وابنها الهارب من التجنيد، حتى فاجأنا مدرس مادة الرسم الاستاذ قاسم الشيوعي الوسيم، وهو يدخل الصف على غير عادته، وانا مستغرق بالغناء وتصوير المشاهد امام اقراني:

اه .. يا شط الترك

اه .. يا حسرة بديعة الما تهنت كل عمرها

ولا ضحك سنها بعد ذيج الحريجة

شاطت إلــ لله ونست صور الائمة

بينما الطلاب يرددون: ها يم نجم..

وتتواصل سرعة الايقاعات على الرحلات الخشبية، وترتفع اصواتنا بخاتمتها، التي ضربت فيها الامثال (كتلك لا تصرفهن دنانير)، فيتحول الصف الى ردح نسوان!.

ساد الصمت المطلق داخل الصف، بعد أن دخل معلم الرسم. نظر لنا بابتسامته المميزة، وقال: من صاحب هذا الصوت الجميل؟، أصابنا الذهول ولم ننطق بحرف واحد. ثم قال لا بأس، كنت أقف خارج الصف واسمع هذه الفنتازيا. لم نكن نعرف ماذا كان يعني بكلمة "فنتازيا"..!، هل هي ذم ام مدح..؟!، إذ كنا صغارا على هذه المصطلحات الغريبة.

في اليوم التالي، وفي حصة الرسم، طلب منا أن نرسم حريق ونهر وبيوت من قصب، فرسمت بيوت شط الترك، وهي تلتهما النيران، وإمرأة تتشح بالسواد، وسط اللوحة. عندها، قال المدرس: لمن هذه؟، قلت له "بديعة ام نجم"، ابتسم لي وقال هذا انت اذن؟ صاحب الأوبرا العراقية. لم افهم ايضا هذه الكلمة الجديدة. ثم همس في اذني مازحا: ان جملة "كتلك لا تصرفهن دنانير" هي مثل جملة شكسبير كن او لا تكون!. لم افهم من كلماته شيئا، ولا من هو شكسبير، ايضا..؟!. هكذا توالت مصطلحات الاستاذ (قاسم الشيوعي) النقي، وراح يضخ المفردات في رؤوسنا الطينية الصغيرة، التي لم نسمع بها من قبل: (الكوميديا السوداء، أعطني خبزا ومسرحا اعطيك شعبا مثقفا، غوركي وتورجنيف، الفولاذ سقيناه). شجعني على القراءة، حتى انساني بديعة ودنانيرها المحروقة. بعد سنتين اختفى الاستاذ قاسم، لقد اعتقلوه من بناية المدرسة، ولم نسمع عنه شيئا. إلف تحية محبة ووفاء اينما كنت حيا او ميتا.

لم أكن شيوعيا

في بداية السبعينيات من القرن الماضي، وبعد انتقالنا الى بغداد، صرت امارس هوايتي المسرحية، ضمن نشاطات اتحاد الشبيبة الديمقراطية واتحاد الطلبة العام. كنت أقدم بعض الأعمال المونودرامية القصيرة من خلال السفرات والحفلات المغلقة. وحتى هذه لم تدم طويلا فقد جُمدت هذه المنظمات الديمقراطية، ارضاءً لسلطة البعث خلال تحالفه مع الشيوعيين. وفي أواخر السبعينيات انحلت الجبهة مع البعث، وبدأت حملة الاعتقالات تطال لا الشيوعيين فحسب، بل اصدقاءهم، أيضا، فكانت حملة واسعة في كل مدن العراق، أعدها الفاشيون بطريقة مبرمجة وواضحة وباسلوب نازي لم يشهد العراق مثيلا لها من قبل.

حينما ضاقت السبل، خرجت مع مجموعة من الرفاق الشيوعيين باتجاه كردستان، للالتحاق بصفوف الحركة الأنصارية التي تشكلت حديثا عام 1979، ولكن لسوء الحظ أو ربما التقدير الخاطئ، وقعنا في كمين محكم لا يمكن الإفلات منه. كان عددنا ثلاثة عشر. اخذونا الى مديرية الامن العامة في بغداد، حيث تعرضنا الى كل أساليب التعذيب الوحشي، وجربوا معنا شتى انواع الاجهزة والبطش.

بعد عدة اشهر أطلق سراح معظم السجناء السياسيين، بقرار عفو كارتوني، بمناسبة استلام المقبور صدام حسين رئاسة البلاد، بعد الانقلاب المهزلة على سلفه (احمد حسن البكر). أصبحت دائرة الرعب من القادم تتسع، والاعتقالات عادت من جديد، ثم ان النظام ادخل البلد في حرب مع إيران، فصارت الخطوط الامامية في جبهة الحرب هي ملاذي الآمن لأربع سنوات، وسط طاحونة الموت اليومي، حتى سنحت لي الفرصة الاخيرة بالخروج من دوامة الهلاك والتوجه الى كردستان من جديد بمساعدة معارفي.

الانصار الشيوعيون، ورفاق الجبل والمسرح

رغم صعوبة الحياة وقساوتها ومقاومة أعتى دكتاتورية، لكن هواء الحرية، وأنت تعيش بين رفاقك الرائعين هي أعظم مدرسة تتعلم منها كل شيء. ورغم شحة الكتب، الاّ انّ أحاديث الشيوعيين الأنصار تغنيك عن التواصل الطبيعي مع العالم المتحضر، وذلك بسبب ظروف الحركة وطبيعة العمل العسكري. فاذا كانت بديعة ودنانيرها ملهمتي الأولى، فانَّ ما تعلمته خلال سنوات الكفاح المسلح من الانصار بمثابة شهادة تخرج اعتز بها ما حييت.

كنت مترددا وخائفا من تقديم عمل مسرحي أمام الرفاق الأنصار، ليس بسبب قدرتي على الاقناع، بل لان جلهم من الشعراء والكتاب والتشكيليين والسياسيين، لذلك أخترت باب الشعر ومسرحة قصيدة (اصوات من زمن الحرب)، وهو نص شعري طويل للشاعر النصير عبد القادر البصري. كان نصا نثريا مفعم باللغة المسرحية والدلالات الدرامية.

لم يحدث ابدا وخلال اشتغالي في كردستان، ان قدمت نصا مسرحيا للجنة رقابة او فحص نصوص، فانت الوحيد المسؤول عن فلسفة النص. ودائما ما تجري جلسة نقدية بعد العرض، وتستمع لآراء الأنصار النقدية، لتضيف لك ما كان مخفيا سواء على صعيد الفكرة او الأداء والاخراج.

أكثر عروض المسرح، كذلك النشاطات الثقافية الأخرى، أُقيمت في قاعة منام الأنصار الكبيرة المبنية من حجر الجبل، لكن الفنانين والمبدعين الأنصار يحولون قاعة العرض إلى مكان سحري جميل. على سبيل المثال ما انجزه الفنان التشكيلي والنحات الشهيد فؤاد يلدا (ابو آيار) يفوق الخيال، ففي مسرحية (من هناك) لوليم سارويان، التي عُرضت في "مقر مراني" بمناسبة اليوم العالمي للمسرح، جعل من خلفية الجدار لوحة ثلاثية الأبعاد، حيث تحول جدار الطين الى قضبان سجن، وبالاتفاق مع الفنان عبد الهادي الواسطي (أبو حسن حبيب ألبي) الذي أخذ موافقة الفوج على تشغيل مولد الكهرباء المخصص فقط للطبابة، على سحب خط لقاعة المسرح، بعد أن صنع بروجكترات غاية في الغرائبية، ليضيف جماليات للمكان غاية في الروعة. وحين أكملوا مستلزمات العرض تفاجأ الجميع بالشكل النهائي، حتى ان جمهور الفلاحين الذين حضروا العرض وحينما خرجوا بعد نهاية المسرحية لم يصدقوا أنهم في وادي مراني الجبلي!.

كنا نستعير الراديو وآلة التسجيل من قسم الإعلام، لنسجل بعض الموسيقى الكلاسيكية ونضعها على كاسيتات قديمة. اما الملابس فكانت مشكلتنا العويصة، ساعدتنا الرفيقات على خياطتها من بعض الشراويل القديمة. كنا ايضا نستخدم براميل البلاستك الكبيرة من مخزن اداري الفوج ونحولها الى طبول افريقية يستخدمها الممثلون في الرقصات. كنا مدللين ذلك اليوم، حتى ان الاداري الرفيق (ابو حازم) خصص للممثلين وجبة غذاء مميزة يحلم بها الجميع.

الانصار والنصيرات الذين شاركوا معي في بعض الأعمال

عادل، الشهيد روبرت، أبو طالب (الشاعر عبد القادر البصري)، الشهيد سمير حناوي، النصيرة الراحلة كنار، النصير الدكتور باسل، النصيرة بلقيس (هند وصفي طاهر)، ابو فاتن، خالد الايزيدي، كوران عقراوي. ولا أنسى دور الفنان ستار عناد (ابو بسام) الذي كان معنا بالمفرزة ويحضر معنا جميع التدريبات، كان بمثابة دراماتورج لتقويم النص وضبط المشاهد.

من المفارقات التي لا تنسى: كنت ذات مرة أتمرَّن على قصيدة الشاعر سعدي يوسف قصيدة (حاج عمران)، كنت انوي تقديمها بمناسبة ثورة أكتوبر، اتخذت من الوادي مكانا منعزلا أطلق فيه صوتي وتدريبه على الايقاع، ولكن ومن دون ان اعرف، شاهدني أحد الفلاحين الكرد ومضى في سبيله.

في اليوم التالي مرّ على مقر السرية معاتبا إياهم قائلا: أنتم الشيوعيون ناس محترمون ومثقفون، كيف تصطحبون معكم بيشمركة مجنون يبكي ويصرخ ويضحك وحيدا في الوادي. ضحك الجميع وإستداروا نحوي، فقد عرفوا بأنني انا المقصود بالجنون.

الاعمال الفنية التي شاركت فيها وأخرجتها للمسرح

حكاية المواطن طه – تأليف صباح المندلاوي (العراق)

من هناك؟ – تأليف وليم سارويان (العراق)

أصوات من زمن الحرب – تأليف عبد القادر البصري (العراق)

كلهم قشخون – تأليف سمير نقاش وخلدون جاويد (الدنمارك)

الخادمتان – تأليف جان جينييه (الدنمارك)

الرافض والمرفوض – تأليف حيدر أبو حيدر (الدنمارك)

الكرة الأرضية للأطفال (الدنمارك)

هلو مارينز (الدنمارك)

دم شرقي – تأليف طلال نصر الدين (الدنمارك)

مايسترو – تأليف حيدر أبو حيدر – السليمانية (العراق)

الليلة الأخيرة لشهرزاد (الدنمارك)

سيهبط الثلج في مراكش – تأليف الطاهر بن جلون (المغرب)

حب في زمن الريزو (المغرب).

الاعمال التي مثلتها

الجنة تفتح أبوابها متأخرة – تأليف فلاح شاكر وإخراج لطيف صالح (السويد)

مهاجران – تأليف سلافومير مروجك وإخراج د. حميد الجمالي (السويد)

مملكة الكريستال – تأليف حيدر أبو حيدر وإخراج سلام الصكر (السويد)

حمام بغدادي – تأليف وإخراج جواد الأسدي.

المشاركات الفنية

شاركت في العديد من المهرجانات المسرحية في العراق، برلين، السويد، الدنمارك، المغرب، الجزائر، تونس، سلطنة عُمان.

في السينما

شاركت في بطولة فيلم الهروب للمخرج الدنماركي سيتروب. وأخرجت فيلماً دنماركياً قصيراً بعنوان (عزلة).

النصير الشيوعي العدد 45 السنة الرابعة نيسان 2026