في البعيد لمعت آخر ومضات الغسق، سؤال أجج الشجون، واشعل لظى الذكريات..

  • طارد الموت كل الوطنيين والشيوعيين، بعد أن برز وجه البعث الحقيقي، كيف نجوتِ؟ وكيف خرجتِ من العراق؟

اعتدلت في جلستها زافرةً، كأنها تزيل عن صدرها بعضأً مما عاشته، مع ضحكة مفعمة بالاسى وابتسامة ساخرة على شفتيها.

"تركت العراق، وأنا مازلت صغيرة، بعمر لا يتجاوز الثامنة عشر، لم ازل في المرحلة الثانوية من الدراسة، ولم يسبق لي السفر حتى الى محافظة اخرى وحدي. وقتئذ كنت عضوة في الحزب الشيوعي، ايام الهجمة أضحت مخاطر الاعتقال والهلاك تحيطني، المنع من السفر يهددني، لذلك أصبح الرحيل عن الوطن هو طوق النجاة الوحيد، الذي تشبثت به لأنقذ حياتي!، حينها عملت في مجلة الفكر الجديد، وبسبب الأوضاع الأمنية انتقل جميع الشغيلة، إلى مقر  جريدة طريق الشعب، الكثير من العاملين في صحافة الحزب اعتقلوا أو اختفوا، لم يبقَ فيها سوى القليل، أنا منهم، مجبرة على البقاء هناك، فلا مكان لي كي اختفى فيه!.

بعد فترة قصيرة من الحملة المسعورة على الحزب وكوادره، اقتحم رجال الأمن بيتنا بحثاً عن والدي، اعتقلوا اخوتي بدلا عنه، فأبلغت بعدم العودة للبيت، أرغمت للجوء إلى بيت أحد اقاربنا في منطقة الكفاح، عندهم التقيت بوالدي!. تفرقت اسرتنا، أخي الكبير عسكري، اثنين من أخوتي في المعتقل، اختي الصغيرة هُربت إلى مدينة العمارة، والدي وأنا مختفين، أمي تتهيأ للانتقال من المنطقة".

أخفضت صوتها كثيرا إلى حد تحولت كلماتها إلى همهمة غير مسموعة، ضاعت نظرتها في نقطة فراغ بعيدة، قبل أن تكمل ما باشرت بالحديث عنه.

" استمريت بالعمل في الجريدة، بعد اعتقال صحفية مهمة في الجريدة، انتبه ابو مخلص لــوجودي اليومي، سألني: "لماذا ما زلت مواظبة على الدوام؟"، وهل أستطيع الحصول على جواز سفر؟ كي اترك العراق لأنجو بنفسي!. اخذت رأي والدي في المقترح، أيـده وفرح به، مشجعاً إياي على ذلك. رغم كل المخاوف من الاعتقال صاحبني والدي للحصول على جواز السفر، المفارقة انه لم يكن هناك اي منع عليّ، مما سهل خروجي بشكل طبيعي بلا اي عراقيل".

الذكريات تدفئك من الداخل، لكنها تمزقك اشلاء وتلتهم كل شيء أيضاً.

"الوجهة براغ، عاصمة تشيكوسلوفاكيا، زودت برقم هاتف وعنوان (مجلة قضايا السلم الاشتراكية). رافقتني والدتي وأخي إلى المطار. بداخلي فراغ، خواء يتجدد ببطء، هيمنت عليّ مشاعر الحيرة والتوتر، فانا ذاهبة للمجهول!، لا اتخيل ماذا يمكن ان يحدث لي!. صعدت الطائرة يكتنفني الارتباك والدهشة، فيها صادفت عدد من الاصدقاء والرفاق الشيوعيين الذين اعرف معظمهم.

في مطار براغ كنا مجموعة صغيرة، تبادلنا النظرات بتوجس وخوف!، لا أحد يملك عنوان او رقم تلفون غيري. ما أن توجهت إلى كابينة التلفون، حتى تحلقوا جميعهم حولي كما لو اني الخلاص، العنوان الوحيد لديهم هو مقهى (سلافيا) الذي يتجمع فيه الطلبة العراقيين."

في الخارج أخذت الريح تهب كأنها تولول، الامطار ترشق الشبابيك والأبواب الزجاجية. استراحت قليلاً لتترك مجالاً لكلماتها حتى تصلنا على مهل!

" سألني الرفيق على الخط الآخر، اذا أنا لوحدي أو معي اخرين؟ ثم طلب مني حفظ اسم الفندق، كي نستقل سيارة الأجرة اليه، حتى نقضي ليلتنا هناك، واعداً باللقاء بنا صباح اليوم التالي. لا أدري متى غفوت وكم طالت غفوتي! بين اليقظة والنوم العميق، عندما يكون الجسم عاجزاً عن الحركة، سمعت طرقاً رهيباً على باب غرفتي، حينذاك رأيت رفيقين اعرفهما حق المعرفة امامي، فرحت بهما كثيرا واحسست ببعض الطمأنينة".

استكانت للحظة في صمت مضطرب، وبنبرة واثقة على الرغم من ظلال حزن راحت تطوف في عينيها.

"صباحاً ذهبنا جميعاً إلى مبنى (مجلة قضايا السلم الاشتراكية)، استقبلنا رفيق من التنظيم، وزع علينا استمارات لتعبئة المعلومات الخاصة بنا، طالباً منا تراحيلنا الحزبية، استغربنا الطلب!، كيف ونحن هاربين من أجهزة الأمن والمخابرات البعثية. بعد أن استبد القلق والاجهاد بي، لم أستطع التفكير باي شيء، اتوق فقط إلى النوم، شعرت كأني أحيا في قاع بئر سحيق، طاقتي نفذت تماماً، فأنا لم أنم منذ ليلتين!. في وقت لاحق تكرر دوي الطرق على الباب، هذه المرة الحزب يريد لقائي لوحدي!. عندما ذهبت صباحاً إلى مبنى المجلة، التقيت الرفيق أبو آدم الذي كان يعرف والدي جيداً، فيما بعد هو من زكاني للحزب، كشخص موثوق به، لهذا عملت في المجلة وانيطت بي مهمة حساسة ".

يتشح الافق البعيد بألوان الغروب، يخف المطر، تهب نسمات فاترة وتصبح السماء فسفورية.

  • لماذا تركت مقاعد الدراسة، قاصدة كردستان لتكوني إحدى المقاتلات في فصائله؟

" لم أغادر العراق بغرض الدراسة، الهدف هو إنقاذ نفسي من الهلاك، حينئذ وجهة النظر السائدة هي اننا هنا لفترة قصيرة نعود بعدها للوطن، للمساهمة في اسقاط النظام الدكتاتوري، مثل غيري من الشابات والشباب كنا معبأين بفكرة الرجوع والنضال في بلدنا. هذا التصور هو الشائع بيننا، فضلا عن ذلك الاخبار التي وردتنا بأن النظام آيل للسقوط! وأن الحزب رفع  شعار (الكفاح المسلح) في كردستان!. رأيت بأنّ عليّ الإسراع للحاق بالثورة، التي ستنفجر بأي لحظة وتقضي على صدام، و لا يجوز ان اكون بعيدة"!.

دَبّت في الصمت الأجوف ضحكاتها المتقطعة والمكبوتة.

"كيف لا أكون موجودة للمشاركة في الثورة؟ انهيت كورس اللغة، مباشرةً كتبت رسالة للحزب، اطلب فيها قطع الدراسة والذهاب إلى كردستان، الواجب الوطني يستدعي منا ادراك الثورة، طبعا لم أكن لوحدي إنما الكثير من الطلاب ألتمسوا ذلك. الغريب في الموضوع أن المنظمة الحزبية وافقت فوراً على رغبتنا، بلا  أدنى محاولة لأقناعنا بإكمال الدراسة، فجأة اختيرت مجموعة من الشباب الذين تركوا مقاعد الدراسة، سميت بمجموعة الضباط، لتتلقى التدريب العسكري في اليمن الشعبية".

الاستغراق في تأملات الماضي، أطبق الوجوم الشامل والموجع على المكان.

" انطلقت رحلتي من براغ ثم بيروت وعدن، بعدها الى دمشق ثم القامشلي حيث المحطة الاخيرة قبل التوجه الى كردستان. كنت في قمة الحماس والسعادة، حملت أحلامي محلقةًً بالانتصار.

في ليلة خريفية معتمة من سنة ١٩٨١ ركبت السيارة مع مجموعة كبيرة من الرفاق إلى الحدود. طريق العبور عسير وشاق جداً، الحقيقة غابت التفاصيل عن ذهني، لكني لن انسَ أبداً، العذاب والالم الذي صادفته، سرنا في ارض محروثة غارقة في ماء المطر والوحل، بالكاد ارفع قدمي من الارض الطينية لتغوص الاخرى فيه، إحدى الرفيقات غَمس حذائها الذي لم تعثر عليه نهائياً، مما اضطرها للمشي لمسافات طويلة بلا حذاء، بعد اجتيازنا نهر دجلة وصلنا الى مكان ابو حربي، تخلفت رفيقتين عن مواصلة المسير، فأكملت ورفيقة اخرى الطريق".

جسد الانسان صخرة صلدة، طاقة لا تنضب لا تعرف الانتهاء، والارادة لا تخبوا مطلقاً!

" لان الحماس والعزيمة يدفعوني، مشيت بسرعة رغم اني احمل السلاح الثقيل على كتفي، تقريباً كنت أركض، لذلك اتعب بسرعة ايضاً، لكن كلما سنحت لي الفرصة للنوم، أجد مكان ما أنزوي به، أرض صخرية، أو  طينية رطبة لا يهم، الضروري هو اني أنام ! بعضهم للمزاح ضحكوا وتنمروا عليّ.

في احدى تلك المرات نمت على رَّحــل البغل (الكرتان)، الذي كان مرتعاً للبراغيث، التي دخلت جسمي واصابتني بالملاريا، كنا في اليوم الثالث فقط للمسير، مما اضطر الرفاق الى وضعي فوق ظهر الحيوان، لأني لم اعد أقوى على مواصلة المشي، في حالة يرثى لها من المرض إلى أن بلغنا قاطع بهدنان"!.

النصير الشيوعي العدد 45 السنة الرابعة نيسان 2026