يستعيد النصير الفنان عبد الوهاب نعيمة فايز (أبو وجدان)، أحد أوائل الملتحقين بالحركة الأنصارية في قاطع بهدينان (كَلي كوماته) وأوائل أنصار قاعدة (كوستا)، في لقاء مطول مع جريدة النصير الشيوعي، أبرز محطات حياته الفنية والسياسية والظروف التي دفعته للالتحاق بصفوف الأنصار أواخر سبعينيات القرن الماضي.
وُلد أبو وجدان في البصرة عام 1946 في محلة صبخة العرب. أكمل دراسته في ثانوية الصناعة – البصرة / المعقل للعام الدراسي 1968 - 1969. في أجواء البصرة الثقافية خلال سبعينيات القرن الماضي، بدأت ملامح تجربته الفنية الأولى بالتشكل، حين انضم عام 1969 الى جماعة كتابات مسرحية، قبل أن يصبح عام 1972 عضواً في نادي الفنون في مدينته، الذي كان ملتقى المواهب المسرحية الشابة والهواة. هناك، بدأ شغفه الحقيقي بالمسرح.
يروي أبو وجدان، أن دخوله عالم المسرح لم يكن مجرد هواية عابرة، بل تجربة تأسست على القراءة المستمرة والتثقيف الذاتي والوقوف على خشبة المسرح. مع جماعة كتابات مسرحية، وبالتعاون مع فرقة المسرح المعاصر برئاسة الأديب والممثل المسرحي جبار صبري العطية، شارك في عدد من الأعمال المسرحية، منها: الطوفان، المنجم، يبحر العراق، رحمة وأمير الغابة المسحورة، المدمن، اليانكي، نكسة حزيران، السفينة، نيران السلف، طلوع القمر، محد يعرفك يالبن، كبرت والكبر ينسي، تألق جواكان موريتا ومصرعه، وسيرة أس.
لكن المناخ السياسي في العراق آنذاك، لم يكن بعيداً عن الحياة الثقافية، فقد مُنعت بعض الأعمال التي شارك فيها، مثل: في انتظار اليسار، أيام الكومونة، ودائرة الطباشير القوقازية، والتي لم يُسمح بعرضها سوى كبروفة ليوم واحد.
عام 1978 شكّل نقطة تحول حاسمة في حياته، إذ اضطر إلى مغادرة البصرة إلى بغداد إثر تصاعد حملات المطاردة والاعتقال ضد الشيوعيين. وبمساعدة الحزب حصل على عمل مهني في منطقة جميلة، لكنه لم ينقطع عن المسرح، فكان يتردد على مسرح الستين كرسي لمتابعة النشاطات الفنية المحدودة في تلك الظروف.
في بغداد ايضا، توطدت علاقته بأعضاء فرقة مسرح اليوم، ودُعي للمساهمة في عمل مسرحي للشاعر الراحل شاكر السماوي، بمشاركة الفنان الراحل غانم بابان، غير أن العمل لم يكتمل. يشير ابو وجدان إلى أن النص حمل إسقاطات جلية على واقع المشهد السياسي العراقي آنذاك.
ومع انهيار التحالف مع البعث، وتصاعد الهجمة على الحزب الشيوعي العراقي عامي 1978-1979، غادر أبو وجدان إلى لبنان، حيث دخل مرحلة جديدة من حياته. هناك التحق بدورة تدريبية عسكرية نظمتها الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بالتنسيق مع الحزب، في معسكر الدامور – الناعمة قرب بيروت. شملت الدورة التدريب على مختلف صنوف الأسلحة والعمل العسكري والإداري، وانتهت في 16 أيار 1979 بحضور عدد من قادة الجبهة الديمقراطية والحزب الشيوعي العراقي. بعد التخرج، نُقل مع رفاقه إلى طرابلس، وتوزعوا بين نهر البارد والبداوي، ليقضوا عدة أشهر في التدريب العسكري والفدائي، استعداداً للانتقال إلى كردستان.
في تلك المرحلة أيضاً، شارك أبو وجدان مع عدد من الرفاق في كتابة نص مسرحي جماعي بعنوان ينبع، تناول التحولات السياسية والاجتماعية في العراق من حقبة الإقطاع حتى انهيار الجبهة الوطنية والقومية التقدمية!. لكن المشروع بقي مخطوطاً لم يُنجز، نظرا لانشغال الجميع بالتحضير للسفر والاستعداد للانتقال إلى المراحل الجديدة.
اختارت قيادة الحزب لاحقا أربعة رفاق للانتقال إلى (كردستان العراق)، هم: محمد خلف (أبو شروق)، حمد الشعلان (أبو حازم)، سلام تحياتي، وأبو وجدان. انطلقت المجموعة عبر سوريا والقامشلي باتجاه الحدود، وصولاً إلى مقر كلي كوماته، أحد المقرات الخلفية الحدودية.
وصل أبو وجدان إلى مقر الانصار (كوماته) في 20 أيلول 1979، وهو عبارة عن وادٍ ضيق يتوسطه نهر صغير بين العراق وتركيا. هناك بدأت مرحلة جديدة كلياً في حياته، من خشبة المسرح إلى حياة الأنصار. شارك مع الرفاق في بناء المقر وتنظيم الحياة اليومية، وتقاسم المهام بين قطع الحطب، البناء، تأمين المواد الغذائية، وزيارة القرى المجاورة لتوفير الاحتياجات الأساسية. حينما انتهى بناء المقر، بدأت أولى خطوات تثبيت الوجود الأنصاري في المنطقة.
في منتصف تشرين الثاني 1979، تحركت مفرزة تضم 21 نصيراً من قاعدة بهدينان (كلي كوماته) باتجاه قاعدة كوستا بقيادة الرفيق دنخا البازي (أبو يعقوب). استغرقت الرحلة أكثر من عشرة أيام وسط ظروف مناخية قاسية، خصوصاً الثلوج الكثيفة وصعوبة الحركة في المناطق الجبلية. وخلال الطريق، استقبلتهم القرى الحدودية بحفاوة رغم ظروفها المعيشية الصعبة، بعد أن أوضح الأنصار للأهالي أنهم بيشمركة قدموا للدفاع عن أبناء المنطقة، ومن مختلف مدن العراق.
بعد وصوله إلى كوستا، واجه أبو وجدان خلافاً تنظيمياً يتعلق بأمتعته الشخصية، الأمر الذي دفعه إلى اتخاذ قرار العودة إلى قاطع بهدينان برفقة النصير الصيدلي أبو روزا. كانت رحلة العودة شاقة أيضاً بسبب تراكم الثلوج والإقامة القسرية في بعض القرى لأيام عدة.
وعند عودته إلى بهدينان، واصل مشاركته في تنظيم الحياة اليومية داخل المقر، وأسهم في تأسيس وبناء فرن لإعداد الخبز للأنصار، في ظل ظروف معيشية صعبة ونقص كبير في الإمكانات، مع تزايد أعداد الرفاق الوافدين إلى القاطع.
أمضى أبو وجدان قرابة عام في بهدينان قبل أن يُسمح له بالعودة إلى سوريا للقاء عائلته بعد غياب طويل، ثم عاد لاحقاً عام 1982 للعمل مجدداً مع الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، حيث كُلّف بالعمل الإداري ضمن صفوفها. في بيروت، تنقل بين الفاكهاني والأوزاعي وبيروت الغربية، التي يستذكرها بوصفها فضاءً مفتوحاً للحالمين والمبدعين، وملتقى للفنانين والمثقفين العرب، وفيها ازدهرت التجارب الفنية والثقافية رغم ظروف الحرب والحصار.
خلال تلك الفترة، التقى بعدد من الفنانين والمثقفين العراقيين، منهم غانم بابان، كاظم الخالدي، حازم كمال الدين، قاسم حسن (صائب)، والشاعر ذياب كزار (أبو سرحان)، إلى جانب صباح ستراك وآخرين.
كما قدّم عملاً مسرحياً بعنوان (محاكمة صورية)، عُرض في الهواء الطلق أمام جمهور القوات المسلحة الثورية عام 1982، قبل أيام قليلة من الاجتياح الإسرائيلي لبيروت الغربية. تدور فكرة المسرحية حول مجموعة من الفدائيين ينفذون عملية داخل الأراضي المحتلة رداً على قصف مخيم السلط للاجئين الفلسطينيين في الأردن، قبل أن يتم أسرهم واعتقالهم وإخضاعهم لمحاكمة شكلية تفتقر إلى أبسط حقوق الدفاع والعدالة.
ورغم كل تلك التحولات بين الفن والعمل السياسي والحياة الأنصارية، لم ينقطع أبو وجدان عن الكتابة والتأليف. فقد واصل إنتاجه في الشعر والمسرح والسيرة، وأصدر الجزء الأول من مجموعته الشعرية أحاسيس عام 2023 في المغرب، مهدياً إياها إلى رفاقه الأنصار الذين عاش معهم تفاصيل تلك المرحلة.
وفي ختام اللقاء، عبّر النصير أبو وجدان عن شكره لجريدة النصير الشيوعي، متمنياً لها النجاح في توثيق نضال الحركة الأنصارية عبر هذه اللقاءات المهمة للأجيال القادمة.