في صيف سنة 1988، وبعد أن أسدل الستار على الحرب العراقية الايرانية التي استنزفت البلدين، لم تشهد كردستان العراق هدوءا ولا سلاما، بل على العكس تماما، فقد وجد النظام الدكتاتوري في نهاية الحرب فرصة ذهبية لتصفية حساباته مع المعارضة العراقية المسلحة. تحررت يده من ضغط الجبهة الايرانية، وأصبح بمقدوره توجيه كامل قوته العسكرية الهائلة نحو جبال كردستان التي احتضنت آلاف المقاتلين من فصائل الانصار والبيشمركة.

كانت منطقة (بهدينان) من أوائل المناطق التي طالتها يد البطش. فقد تدفقت قوات الجيش بكل ثقلها، وبغطاء جوي حربي وسمتي، نحو هذه المنطقة الجبلية الوعرة، تساندها قوات الجحوش (الافواج الخفيفة) التي استخدمها النظام بذكاء بوصفها اداة لاضفاء طابع قبلي على الصراع وتمزيق النسيج الاجتماعي الكردي من الداخل.

في خضم هذه التطورات، والتقدم المتسارع لقوات السلطة، وجد انصار (الفوج الأول) انفسهم عالقين في سفوح جبل كارا وقممه الوعرة. ومع كل يوم يمر، تشتد حلقات الحصار حولهم أكثر فأكثر، وتتقلص مساحة الحركة والمناورة، ولم يعد جبل كارا امامهم مجرد موقع عسكري تحت الضغط، بل تحول الى حصار خانق، خاصة بعد أن سيطرت قوات النظام على المناطق والقرى المحيطة وأحكمت الطوق على المقاتلين في الجبل.

يضم الفوج الأول الى جانب مقاتليه الأصليين، مجموعات أخرى ألقت بها الاحداث في المكان نفسه، من بينهم أنصار من الفوج الثالث. في تلك الاثناء، أدركت قيادة الفوج، أن الخيارات باتت شحيحة، فالمواجهة المفتوحة مع قوات الجيش والجحوش ضربا من الانتحار، لا لأن الشجاعة تنقصهم، بل لأن موازين القوى مختلة، بالاضافة الى ان قوات النظام الضخمة تمركزت في كل نقطة استراتيجية، مما يجعل أي عمل عسكري مباشر حكماً بالإعدام الجماعي.

اتخذ المحاصرون قرارهم الصعب، انسحابا مدروسا يقوم على تشكيل مجموعات صغيرة متفرقة وإرسالها في اتجاهات مختلفة بهدف اختراق الطوق والوصول إلى بر الأمان. وقع الاختيار على مجموعة مؤلفة من عشرة أنصار ممن يجيدون التعامل مع التضاريس الجبلية ويعرفون الطرق الوعرة المؤدية نحو الحدود التركية، وهم الانصار: أبو حامد، يونس، أبو رشدي، حازم ألقوشي، أبو سلوان، أبو ندى، ألند، ضياء، أبو عهد، سمير حناوي.

تلخصت المهمة الانطلاق من (كَارا) والوصول أولاً إلى مقر السرية الثالثة في منطقة الدوسكي، حيث يُفترض أن تنتظرهم المفرزة التي ستتكفل بتأمين عبورهم إلى سوريا. في الظروف الطبيعية، لا يستغرق الوصول من مقر الفوج الأول في (كارا) إلى الشارع الدولي أكثر من ست ساعات سيراً على الأقدام، لكن الانتشار الكثيف لقوات الجيش، وغلقها للطرق والمعابر، أجبر المجموعة على اجتياز الأودية المظلمة والطرق الخلفية الوعرة، متجنبةً نقاط التمركز العسكرية، ومختبئةً نهاراً بين الصخور والأشجار. هكذا تحولت رحلة الساعات الست إلى مسيرة استمرت ثمانية أيام شاقة، طغى عليها الإرهاق والخوف والحذر الدائم.

حين عبرت المجموعة الشارع الدولي أخيراً، واتخذت طريقها نحو منطقة (صبنه)، لاذت بظلال أشجارها الكثيفة تنتظر ما ستأتي به ساعات النهار. لم يطل الانتظار، إذ داهمت قوة من الجيش  القرية المجاورة، وبكل وحشية، اضرمت النار في بيوتها، واستولت على مواشيها، وتركتها جمراً وهباء. كنا نشاهد هذا الدمار، عاجزين عن أي فعل، مدركين أن أي حركة ستؤدي الى هلاك الجميع.

عند غروب الشمس، ووفقا لاتفاق مسبق، إلتقت المجاميع قرب عين الماء في القرية المحترقة. وساد اللقاء شعور واضح بالارتياح بعد أن نجح الجميع في الوصول إلى نقطة التجمع في الموعد المحدد. تزودوا من مائها البارد، وملأوا زمزمياتهم البلاستيكية، وبللوا وجوههم المتعبة، ثم واصلوا المسير ضمن ترتيبٍ أمني دقيق. الدليل في المقدمة يشق الطريق، يليه آمر المفرزة، بينما كنتُ أنا وأبو رشدي في المؤخرة نراقب ما خلفنا، مع الحفاظ على مسافات معقولة بين كل اثنين لتفادي الوقوع في كمين واحد.

جسر زفنكي

بالقرب من قرية الداؤدية الواقعة على الطريق المؤدي إلى ناحية مانكيش، يجثم جسر زفنكي فوق نهر صبنه. عند هذا الجسر وقع الخطأ الذي غيّر مجرى الرحلة وكاد يودي بنا جميعاً إلى الأسر أو القتل. فقد أمر مسؤول المفرزة بالعبور فوق الجسر، وهو قرار يبدو بسيطاً في الظروف الاعتيادية، لكنه في تلك اللحظة كان رهاناً بالأرواح. رفع الفقيد أبو رشدي صوته بحكمة العارف قائلاً: "لا يجوز العبور فوق الجسر في مثل هذه الأوضاع، ينبغي المرور من تحته، عبر المياه والصخور، بعيداً عن أعين الجيش.". غير أن آمر المفرزة أصر على رأيه، وكان هذا الإصرار كفيلاً بالكارثة التي دفع ثمنها الأنصار، فما إن وطئت أقدامنا سطح الجسر حتى وقعنا بالكمين. انفرط عقدنا، ولم نعد نسمع سوى إطلاق الرصاص من كل الجهات.

تفرق المقاتلون العشرة في الظلام والفوضى، وانقسموا الى مجاميع صغيرة: مجموعة (أبو رشدي) وهم: (أبو رشدي، أبو حامد، يونس، حازم ألقوشي) التي بقت في المنطقة، ومجموعة أبو سلوان وهم: ( أبو سلوان، ألند، أبو ندى، ضياء) التي عادت أدراجها الى كارا. اما النصيران (ابو عهد، وسمير حناوي) فتقطعت بهم السبل، مما اضطرهما إلى تسليم نفسيهما حيث تمت تصفيتهما فيما بعد.

واصلت مجموعة أبو رشدي مسيرها نحو الدوسكي، وكان الأمل لا يزال حياً في نفوسهم. فقد قال لهم القادة في الفوج الأول إن مفرزة طريق تنتظرهم في مقر السرية الثالثة لتأمين عبورهم إلى سوريا. لكن حين وصلوا وجدوا مقر السرية خاوياً؛. فتبددت الأوهام. ربما كان الأمر مجرد كلام قيل لرفع الروح المعنوية، أو ربما كانت الظروف قد أجهضت الخطة قبل تنفيذها. على أي حال، لم يكن أمام المجموعة إلا أن تعيد رسم خارطة الخلاص بنفسها. وبكل حزم ومسؤولية قال الفقيد أبو رشدي: "ليس لدينا سوى التوجه نحو الحدود التركية."

اتفقنا نحن الأربعة التوجه شمالاً نحو الحدود التركية. لم تكن سوريا ممكنة، ولم يكن الرجوع مجدياً، فلم يبق أمامنا إلا تركيا والمجهول الذي يختبئ خلف جبالها. في طريقنا نحو الشمال صادفنا مجموعة من شباب أنصار الحزب الديمقراطي الكردستاني، تضم ستة عشر شاباً يبحثون عن طريق يوصلهم إلى إيران. تبادلنا معهم المعلومات، ثم سلك كل منا طريقه. لكن أحداً لم يكن يعلم في تلك اللحظة أن مصير أولئك الشبان الستة عشر سيكون الإعدام في مكان القبض عليهم. جاء الخبر لاحقاً بعد وصولنا إلى مخيم ديار بكر، ثقيلاً كالحجر، يذكّر بأن كل خطوة في تلك الجبال كانت رقصاً على حافة الموت.

اخذ الطعام يتناقص يوماً بعد يوم. لم تكن هناك إمكانية لحمل مؤونة كافية في رحلة لا يعرف أحد متى تنتهي، فاخترعنا حلنا الخاص. كان علينا أن ندخل خلال ساعات الظلام إلى القرى المهجورة الواقعة على طريقنا، ونجمع ما تيسر من الطحين، ثم نشعل الحطب تحت (ساج) الخبز في غرفة محكمة الإغلاق، ونسد كل شق ومنفذ كي لا يتسرب الضوء إلى الخارج فيكشف موضعنا.

نخبز في صمت، وآخر مرة خبزنا فيها كانت في منطقة الدوسكي، وبعدها لم يعد هناك وقت ولا أمان يكفيان لهذا العمل البطيء. واصلنا المسير بما تبقى من قوة. وحين اقتربنا من الشارع الدولي الأخير قرب الحدود التركية في منطقة زاخو، بين باطوفا وبيكوفا، وجدنا النهر أمامنا يعترض طريقنا. العبور فوق الجسر مستحيلاً، إذ ان الطريق مراقباً ومحفوفاً بالخطر، فاخترنا ما اخترناه في كل مرة سابقة: المرور من تحت الجسر.

نزلنا إلى الماء متشابكي الايدي، فتيار الماء قوياً، والمياه باردة، والأقدام تتعثر على قاع النهر الحجري، لكن الأيدي المتشابكة أقوى من التيار. كان ذلك من الأشياء التي لا تُعلَّم في الكتب، أن اليد الممدودة في اللحظة المناسبة قد تساوي الحياة نفسها. عبرنا بسلام وتسلقنا الجبل المطل على الشارع الدولي، حيث اختفينا هناك عن الانظار، على امل ان ننطلق فيما بعد نحو مقر كيشان. ذلك ما سأكتبه في حلقة اخرى.

النصير الشيوعي العدد 48 السنة الرابعة تموز 2026