لم يكن الليل قد انقضى بعد، هناك ساعتان فقط تفصلان بين عتمته الثقيلة وبداية فجر جديد. في تلك اللحظات كانت الأرض كلها تقريبا غارقة في النوم: مخلوقات تختبئ في جحورها، واخرى تتشبث بأغصان الأشجار، وبعضها يفترش القش أو يتكئ على صخرة. الجميع يستريح، يستعد ليوم جديد، إلا انا، كانت ليلتي ممتلئة بصراع لا يهدأ. تعب يتسلل الى الجسد حتى يكاد يُسقط كل احساس، فلا يبقى إلا رغبة واحدة: الاستسلام.
بين القوة والانهيار، الجرأة والخوف، وضوح الفكرة وتشوشها، كنت اتنقل كمن يقف على حافة قرار قد يكون الأخير. ظننت أنني الوحيد المستيقظ، الوحيد الذي يسير بين التلال واخاديدها، يكسر تحت قدميه نباتات جففها آب، لكنني كنت مخطئا، حيث هناك خصم لا ينام، هو نهر دجلة، الذي لم يتوقف عن الجريان منذ آلاف السنين، يجرف كل ما يعترضه، هو لا يعرف التعب، وانا انهكني التعب، هو لا ينزف وانا انزف، لكننا نتشابه في شيء واحد: إن غفا مات، وإن غفوت متُّ.
قبل أن اواجهه، كان عليّ أن أحدد الاتجاه، أن أجد مجراه المتخفي بين التلال، وأن أصل إليه قبل أن يسبقني الوقت. دجلة لا يُعبر كما نشاء، بل كما يسمح هو، فيه مناطق تمنحك فرصة النجاة وأخرى تبتلعك بلا تردد، والخطأ في الاختيار موت.
الرصاص الذي لاحقنا في الساعات الماضية أربك كل حساباتي، ولم أعد أعرف أي ضفة ستستقبلني: ضفة العبور أم ضفة النهاية؟. وقفت على أعلى تلة أبحث عنه. في الليل كان يبدو كصفائح فضية تمتد في العتمة، يرسل نورا لا يظهر إلا لمن يعرفه. همست: "أين أنت يا صديقي؟ أعرفك، ولن تختبئ".
كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرا، والضغط يزداد: تعب، نزيف، وقت ينفد، وخوف يتربص بي، لكن أثقل ما كان يرافقني هو صاحبي الذي لا يجيد السباحة ويخشى الماء. سألني: "أين نحن؟ كيف سنعبر؟" فأجبته: "لا أعرف". كانت تلك الكلمة كطعنة، رأيت أثرها في عينيه، في ارتجاف صوته، في صمت يشبه الاستسلام، كأنه تخيل نفسه محمولا مع التيار، عائدا الى مدينته جسدا بلا روح.
التردد رفاهية لا املكها، فقلت له بحزم: "لن أتركك، سنعبر معا، ولا تسألني مرة أخرى"، ثم أشرت الى النهر: "انظر هناك، هذا هو التحدي". تقدمنا نحوه بلا طريق واضح، نعتمد على إحساسنا بالاتجاه. كنت مصابا أضمّد يدي وأقاوم ألم ساقيّ، لكنني كنت أدرك أن التوقف ليس خيارا.
حين وصلنا الى التلال المطلة عليه بدا أكثر لمعانا ورهبة، وكان العطش ينهشني. عند الجرف، وصلت الى سمعي أصوات خافتة، أنصتّ لحظة، فتكشف لي الأمر: كانوا بانتظارنا، كمائن. انسحبنا فورا، ولم يبق وقت للتفكير. قلت له: "سنتجه الى معسكرهم"، وحين نظر بدهشة أضفت: "أفضل مكان للاختباء، هو حيث يبحثون عنك".
تسللنا بصمت عبر المعسكر، وهبطنا الى النهر من الجهة الأخرى. هناك شربنا، كانت أعذب رشفة ماء في حياتي، لكن الراحة لم تدم، الآن حان وقت المواجهة. أنا منهك ومصاب، وهو لا يجيد السباحة، والنهر أمامنا هائج. قلت في داخلي: "يا دجلة، اليوم لا أرجو النجاة لنفسي".
طلبت منه أن يخفف من ما يحمله من اثقال. خلال ذلك وجدت ما لم أتوقعه: صدرية إنقاذ كانت في حقيبة جريح حملتها دون أن أنتبه. نظرت إليه وقلت: "أنت محظوظ"، فعاد الأمل الى عينيه. نفخت الصدرية وطلبت منه ألا يتمسك بي، ثم نزلنا النهر.
كان الصراع قاسيا، التيار يسحبه جنوبا وأنا أطارده وأدفعه بما تبقى في جسدي من قوة. كاد يبتعد وكدت أغرق، ثم حدث ما يشبه المعجزة، هدأ النهر قليلا عند منعطف. جمعت آخر ما لدي، وصلت إليه ودفعته نحو الضفة، وبعد لحظات قال مبتسما وبصوت متقطع: "رجلي لمست الأرض"، فنجونا.
قلت في داخلي: "هزمتك مرة أخرى يا دجلة، حتى وأنا في أضعف حالاتي".
بعد العبور اتجهنا نحو الجبل، اختبأنا بين الأشواك وغلبني النوم. استيقظت على صوت صاحبي: "قم، أنت نائم فوق عش نمل!". كان النمل يزحف على جسدي، يلتهم الدم الجاف من جروحي، وكأنه يخفف ألمي. واصلنا الطريق حتى وصلنا الى عين ماء باردة، شربنا وأكلنا واستعدنا شيئا من الحياة.
ثم أكملنا المسير: جبل بيخير، سهل الخابور، القرى، الأصدقاء، حتى وصلنا أخيرا. هناك سمعت الخبر عبر اللاسلكي: شهيدان ومفقود. أحد الشهداء أنا. أما المفقود، فكان صاحبي الذي يسير بجانبي!.