حين يبلغ التعب حدَّه الأخير، ويغدو النوم حلمًا بعيد المنال، يتخلّى الإنسان عن كل شروط الراحة، ويستسلم لأي سطحٍ يعثر عليه؛ حجرٍ بارد، جذع شجرةٍ قاسٍ، أو حتى رحلِ بغلٍ مهترئ، يعجّ بالبراغيث ويغري البعوض بوليمةٍ مفتوحة.
كنّا نسير في طريقٍ طويلٍ ووعر، يمتدّ من الحدود السورية إلى الأراضي التركية القاسية، ثم ينحدر بنا نحو قاطع بهدينان. كانت أقدامنا تمضي وكأنها لا تخصّنا، مثقلةً بإرهاقٍ ينهش الجسد ببطء. لم نعد نقوى على التوقّف، ولا على الاستمرار، ومع ذلك كنّا نمشي. وحين كان الدليل ينطق بجملته القصيرة:
"رفاق… استراحة"،
كنّا نتناثر كأجسادٍ فقدت تماسكها، نبحث عن لحظة غيابٍ مؤقّت عن هذا العالم.
في إحدى تلك الاستراحات، لم أجد سوى رحلِ الحيوان. كان قاسيًا، حيًّا بحركة البراغيث، لكنه بدا، في تلك اللحظة، أقرب ما يكون إلى نعمة. تمدّدتُ عليه، غير عابئةٍ بشيء. هناك، بصمتٍ خفي، بدأت الملاريا طريقها إلى جسمي.
لم تمضِ ساعات حتى كان الألم قد استوطنني. حمى تتصاعد كالنار، قشعريرة تعصف بأطرافي، وجسدٌ يتفكّك من الداخل. شعرت حينها كأنني أُسحب ببطءٍ إلى هوّةٍ لا قرار لها.
عجزتُ عن متابعة السير. لم يعد جسمي يطاوعني، فحملني الرفاق مع الأمتعة على ظهر بغل، ومضينا. الطريق كان أطول من قدرتي على الاحتمال، وكل خطوةٍ تهزّني كأنها تمزّق ما تبقّى مني. حتى وصلنا القاطع.
هناك، سارع الطبيب إلى إعطاءنا نحن المصابين حبوبًا مضادّة. في قاعدة بهدنان لم يكن سوى غرفة طبابة صغيرة وقاعةٍ واحدةٍ تجمع الرفيقات والرفاق. استلقيتُ على فراشٍ متواضع، أحاول أن ألوذ بالنوم، أو على الأقل أن أهرب من ألمي. لكن الوجع كان يقظًا، حادًّا، لا يرحم.
ومع حلول الليل، تغيّر كل شيء.
في زاويةٍ من القاعة، تجمّع الرفاق يحتفلون بوصولنا. تعالت أصوات الغناء، اشتدّ وقع الأواني النحاسية، واختلط الهواء بدخان السجائر. كانت الحياة هناك صاخبة، نابضة، بينما نحن، على بعد خطوات، نغرق في أسقام صامت.
لم يلتفت إلينا أحد.
لم يرَ أحدٌ وجوهنا الشاحبة، ولا سمع أنيننا المكتوم. توسّلتُ إلى إحدى الرفيقات أن تطلب منهم خفض أصواتهم، أن يتركوا لنا هامشًا من السكون، لم يحدث شيء. ظلّ الاحتفال مستمرًا، كأننا غير موجودين.
استمر الصوت ينخر رأسي، قطرةً قطرة، كتعذيبٍ بطيءٍ لا ينتهي. تلاشى العالم من حولي، لم يبقَ سوى طنينٍ حادّ يدوّي في أذني. أظلمت الرؤية، واختلّ توازن الأشياء، صرتُ معلّقةً بين الوعي والغيبوبة.
حاولتُ السكوت. حاولتُ الاحتمال. لكن في لحظةٍ انكسرت فيها كل محاولاتي، نهضتُ فجأة، كمن يُنتزع من قاعٍ سحيق، وصرختُ بكل ما تبقّى فيّ من قوة:
"يكفي!
لماذا لا تشعرون بنا؟
لماذا لا تلتفتون إلينا؟"
سقطت الكلمات في القاعة كصاعقة.
ساد صمتٌ ثقيل… صمتٌ متأخّر.
بعدها، نُقلنا إلى غرفة الطبابة. هناك، بعيدًا عن الضجيج، بدأ الجسد يستعيد أنفاسه ببطء. شيئًا فشيئًا، ومع الحبوب المضادّة، بدأت أعود.
لكن شيئًا ما لم يعد كما كان.