في العمل الحزبي السري داخل المدن، تولدت لي قناعة، ان التصرف بشكل طبيعي وفق يوميات المجتمع، يعزز من سرية العمل و ليس العكس، حيث عرفت من الرفيق المسؤول الحزبي، ان الحذر الكامل وتجنب بعض ما يفرضه الظرف السري في العلاقات الاجتماعية، هو نهج يجب الالتزام به بدقة، لكن ذلك في تقديري قد يضع اكثر من علامة استفهام على البيت الحزبي، وربما يؤدي الى عكس المطلوب، فالعزلة التامة لا تناسب مجتمعا كالمجتمع العراقي، المعروف بفضوليته في ما بين الجار والجار، لا سيما اذا كان الجار حديث الانتقال الى المنطقة. عندها تبدأ الاسئلة الحتمية: من هم؟ وماذا يفعلون؟ الى اخره من الاسئلة الفضولية التي لا مفر منها.
اقول ذلك وانا استعيد حدثا كبيرا وجدنا أنفسنا في خضمه. كان علينا انتصرف بحكمة وسرعة للتخلص من مأزق قد يفضي الى ما لا تُحمد عقباه.
كنا نسكن في مشتملٍ من طابقين. في الطابق الأعلى تسكن عائلة تتكون من زوج وزوجة وطفلين توأمين، هما أيسر وأيمن. الأب يمتلك فرنا صغيرا لانتاج نوع من البسكويت، ونظرا لشدة حرارة الجو نهارا، مع الحرارة التي يولدها الفرن، فقد اعتاد العمل ليلا، ثم ينام ويستريح نهارا. أما الزوجة، فقد اتخذت لنفسها الأسلوب ذاته، اي انها تنجز أعمال البيت أثناء الليل وتنام نهارا.
غير أن الزوجين لم يكونا منسجمين اطلاقا، إذ كثيرا ما يتعالى صراخهما، وكانت الزوجة، في معظم مشاجراتهما، تطالبه بتطليقها.
في الاول من ايار عام 1983، يوم عيد العمال العالمي، اجتمعنا انا والرفيقة زوجتي والرفيق الشهيد الخالد مثنى محمد لطيف القصاب، والرفيق المسؤول، لنحتفل بهذه المناسبة، لم يكن لدينا سوى ما يكفي بالكاد لشراء زجاج عرق، اما الرفيق المسؤول فلا يشرب الا الويسكي ولديه ثمنه!.
بين الطابق الاعلى من المشتمل والطابق الاسفل حيث نسكن، شباك. سمعنا طرقا على الشباك وجارنا في الاعلى ينادي عليّ (ابو نصير ... ابو نصير)، ابتعد الرفيقان عن الشباك لكي لا يراهما، بينما قمت وفتحته، واذا بي ارى الرجل وبيده سكين ويقول لي: " اقتل زوجتي، سوف اذبحها، واريدك شاهدا عليّ انا الفاعل كي لا يتورط غيري".
خرجت بسرعة وهو يجري مسرعا نحو الدرج الذي يصل سكنه، وامسكته محاولا تهدئته واخذت السكين من يده، وهو يعربد و يهدد، بينما زوجته تصرخ بصوت عالٍ وتقول: "(طلقني ... طلقني، اذا لم تطلقني سوف احرق الطفلين امامك".
ذهبت الى المطبخ، ثم عادت وبيدها قنينة نفط تريد سكبها على رؤوس الاطفال. أمسكتها، وناديت على زوجتي وطلبت منها اخذ الطفلين الى بيتنا. بدأت تهدد بطريقة اخرى قائلة: "اذا لم تطلقني سوف (اكسر شرفك)، واتجهت الى شرفة صغيرة تطل على الشارع، لتطلب من اي احد من المارة ان تكسر شرف زوجها معه. سحبتها الى داخل البيت، واذا بها تقول: "اكسر شرفك مع ابو نصير"، وهمّت برفع ثوبها!. قلت لها لقد طفح الكيل، و صرخت بوجه الزوج: "اياك ان تنبس بكلمة عما سأقوم به". ادرت وجهي باتجاهها وصفعتها على خدها، ثم دفعتها الى داخل احدى الغرف وقفلت الباب عليها، ثم دفعت الزوج الى غرفة اخرى وقفلتها عليه، ثم نزلت راكضاً الى مالكي المشتمل وطلبت منهم اعارتي التلفون والقبول بان اتصل بالشرطة، وفعلاً اتصلت بالشرطة التي لم تتأخر بالحضور، وكنت بانتظارهم، حكيت لهم القصة وطلبوا مني تسليمهم باليد والمفاتيح معي، صعدت معهم وسلمتهم للشرطة موضحاً ان الاطفال عند زوجتي لحمياتهم، استصحبت الشرطة افراد العائلة معهم شاكرين لي حسن التصرف.
المشكلة الان مع الرفيق المسؤول الذي جنّ جنونه قائلاً: "عملت سنوات طويلة في البيوتات الحزبية ولم يصادفني قطعا ان يقوم الرفيق (وانا واجهة البيت) ان يتصل بالشرطة بنفسه، حاولت اقناعه ان هذا التصرف، هو تصرف منطقي تماما وهو يعزز وجودنا (الطبيعي) في المنطقة، الاّ انه قرر ان يغادر البيت فورا مستصحبا معه الرفيق مثنى معلنا عدم عودته حتى يهدأ الوضع، وفي الحقيقة كان الوضع هادئا و طبيعيا منذ تلك اللحظة، عدا وضع الرفيق ذاك!.