تعود جذور الأغنية والقصيدة السياسية في العراق الى مرحلة مبكرة من تاريخ الحركة الوطنية، إذ بدأت ملامحها منذ ثورة العشرين وما تلاها من حركات وانتفاضات شعبية. وقد ارتبطت هذه النتاجات الفنية ارتباطا وثيقا بالحركة الثورية، فكان لها دور بارز في شحذ همم الجماهير والتأثير في مسار الأحداث، كما ساهمت في تعبئة الفئات الشعبية التي شاركت في التحركات الوطنية منذ ثورة العشرين وحتى وثبة كانون 1948. وشهدت تلك المرحلة بروز أوائل الشعراء السياسيين الذين عبّروا عن الروح الثورية، الى جانب انتشار الهوسات الشعبية ذات المضمون السياسي، مثل الهوسة المعروفة "الطوب أحسن لو مكَواري" وغيرها من الأهازيج التي وثّقت الوعي الشعبي المقاوم.

مع احداث وثبة كانون 1948 وما اعقبها، برزت القصيدة السياسية والثورية بصورة اوضح واكثر كثافة بوصفها امتدادا لما سبقها من تراث نضالي، وارتفعت اصوات شعراء كبار عبّروا عن روح الوثبة والحراك الشعبي، في مقدمتهم الجواهري ومحمد صالح بحر العلوم وعبد الوهاب البياتي، ثم ظهر في منتصف الخمسينيات مظفر النواب. وقبل هؤلاء كان الرصافي قد مهّد للشعر السياسي بنقده اللاذع للنظام الملكي، ومن ذلك بيته الشهير "علمٌ ودستورٌ ومجلسُ أمة" الذي ظل يتردد في المناسبات الوطنية والمظاهرات، لا سيما خلال انتفاضتي 1952 و 1956 واثناء انتخابات 1954 التي خاضتها القوى الوطنية متحالفة.

وعقب وثبة كانون وما رافقها من قمع دموي واعلان الاحكام العرفية واعدام قادة الحزب الشيوعي العراقي (فهد وحازم وصارم) واعتقال المئات من القيادات والكوادر الديمقراطية، شهدت الحركة الوطنية حالة جزر واضحة، الأمر الذي اوجد ضرورة ملحة لتنظيم السجناء السياسيين لأنفسهم بهدف تعزيز صمودهم وكسب الرأي العام داخليا وخارجيا، ورفع معنويات الجماهير العمالية والطلابية وسائر فئات الشعب لدعم المعتقلين والمطالبة باطلاق سراحهم واستعادة الحريات العامة.

في هذا السياق ظهرت الاغاني والاناشيد السياسية داخل السجون والمعتقلات على ايدي السجناء الشيوعيين انفسهم، وكان فضاء السجن الحاضنة الاولى لتلك الاغاني خلال الخمسينيات وبدايات الستينيات حين امتلأت المعتقلات بالشيوعيين عقب وثبة كانون، ثم خلال ما عُرف لاحقا بنكسة عهد عبد الكريم قاسم.

 

يُعد الشاعر الجواهري أول من عبّر شعريا بقوة عن مأساة اعدام قادة الحزب وسجن اعضائه عبر قصيدته الشهيرة "سلامٌ على مُثقَلٍ بالحديد" التي انتشرت على نطاق واسع في أوساط الشيوعيين واليساريين لتصبح رمزا شعريا للمعاناة والصمود.

كان الشيوعيون القوة الأساسية في انتاج الاغنية السياسية والاناشيد داخل السجون، مدفوعين بجملة اسباب وضرورات تمثلت في الحاجة الى تعزيز الصمود النفسي في ظروف الاعتقال القاسية وتثبيت روح التحدي والمقاومة في مواجهة السلطة ودعم السجناء خلال الاضرابات عن الطعام وتوثيق المآسي التي شهدتها السجون. وقد رافقت تلك الاغاني أحداثا دامية ومفصلية مثل مجزرة سجن الكوت 1952 ومجزرة سجن بغداد 1953 واضراب سجن بعقوبة 1954، وكان أثرها بالغا في رفع معنويات السجناء وتماسكهم خلال اصعب الفترات.

برز عدد من الشعراء والمنشدين الثوريين في سجون بغداد والكوت وبعقوبة ونقرة السلمان، من بينهم محمد حسين الشبيبي (أُعدم مع فهد وكان عضوا في المكتب السياسي) وحسن عوينة (استشهد تحت التعذيب بعد انقلاب 8 شباط 1963) وزاهد محمد ومحمد حسن النجفي وعبد الديم السياب (شاعر شعبي وفلاح من البصرة) وأحمد غفور (كادر شيوعي كردي من السليمانية) وساهي (سجين شيوعي من البصرة). كان هؤلاء يؤلفون قصائد الاغاني والاناشيد داخل المعتقلات، أما التلحين فكان يعتمد على الانماط الغنائية الشعبية العراقية، ومن أبرز المنشدين والملحنين عبود حجازي وسلطان ملا علي وعبد الرحمن منصور وزاهد محمد وعلي شعبان، وقد تميّزوا بأصوات جميلة وكان السجناء يرددون معهم الاناشيد جماعيا في المناسبات التي كانت تُقام داخل السجون.

لم يقتصر أثر هذه الاغاني على السجناء، بل امتد الى مختلف فئات الشعب وارتبط بعدد من الاحداث الجماهيرية، منها اضرابات عمال الميناء عام 1952 وتشييع الشهيد عاشور في مظاهرة شعبية واجتماعات الجبهة الوطنية عام 1954 وانتفاضة 1956 وثورة تموز 1958 ومظاهرة حمّالي البصرة عام 1959 "حي ميت هندال انريده". وقد اسهمت الاغنية السياسية في تعزيز الوعي الطبقي والوطني وربط نضال السجناء بالحركة الجماهيرية في الخارج، لتصبح احد ابرز أشكال التعبير الثقافي عن الصراع الاجتماعي والسياسي في العراق خلال عقد الخمسينيات.

ومن اشهر هذه الاغاني والاناشيد:

الأغاني

1. يا أمي لا تبكي عليّ .. يا أمي لا تبكي عليّ

أنا المناضل يا هنيّة............ (على لحن الهودلية)

2. گالو حطمنا الشدّة .. گالو حطمنا الشدّة .. والحزب ماله ردّه .. خايبين حزبنا بعده .. كل يوم عنده جديد .. يا اللي عقدتوا النيّة .. حزب تخربوه خفية ..  غاية قذرة ودنيّة .. للتحقيقات تفيد ........... (أقرب الى لحن: يا زهرة في خيالي)

3. سالم حزبنا .. سالم حزبنا .. ما همّته الصدمات .. سالم حزبنا .. يخسه اليضدنا .. والشعب حي ما مات .. يخسه اليضدنا

أحمر علمنا .. بيه منجل وجاكوج .. أحمر علمنا ............. (أقرب الى لحن: كصيت المودّة)

4. ساير بقوة للنصر .. ساير بقوة للنصر .. حزبنا الشيوعي حزبنا

طرّ الليالي يا فجر .. لاح الخلاص لشعبنا ............ (إيقاع الحدو البدوي)

5. حنّه حزب بالمصايب كَوه عوده .. للسعادة والنصر فهد يكَوده ............ (لحن الحدو البدوي)

6: نبني حكومة شعبية .. رايتها دوم ثورية

رايتها ثورية وما تهاب .. لا سجن لا شنق لا ارهاب

كل الجماهير الها احباب .. رايتها دوم ثورية

الأناشيد

1: ازحفي للنصر يا حمر الجيوش .. واقتدي بالشعب والحكم الجديد

لطخي بالوحل تاريخ العروش .. وابني جمهورية الشعب السعيد

2: لبناء عالم جديد .. ولقهر مشعلي الحروب

في هدى أكتوبر المجيد .. سائر موكب الشعوب

3: السجن ليس لنا نحن الأباة .. السجن للمجرمين الطغاة

4: جبهة الشعب وحدي .. كادحيه ووطدي 

في النضال قوى الجموع .. في سبيل السلام والارض والخير والعمل .. قد كفى الشعب ما احتمل

لست ياشعب بالوحيد .. ان في موطن السلام .. في النضال لنا عضيد

5: عالميمر وعالميمر وعالميمر .. الحزب الشيوعي اليوم عيده الأكبر

إحنا الشباب اللي فهدنا امدربه .. حطمنا بورتسموث يوم الوثبة

يهتف شعبنا بالسلام بكل بيت .. ويحيّي حزبه واتحاد السوفيت

يا ليتنا وياهم بالجبهة يا ليت .. كلنا متحدين ضد إعدانه..........… عالميمر

6: هبوا يارفاق .. حرروا العراق

نحن المعدمون عزما وصمودا .. نمضي سائرين بلا انتهاء

نمضي شاهرين .. سلاحنا المتين .. هبوا يارفاق .. حرروا العراق

النصير الشيوعي العدد 48 السنة الرابعة تموز 2026