" لم تكتفِ سلطة البعث بملاحقة الانصار عسكريا وامنيا، بل سعت الى اختراق صفوفهم عبر ارسال عناصر مدربة اعدت بعناية داخل اجهزة الأمن، وزودت بمعارف عن الحزب واساليبه التنظيمية لكسب الثقة والتسلل الى مفارزه. وقد شكلت هذه المحاولات واحدا من اخطر اساليب الحرب الخفية التي استهدفت التنظيم من الداخل، معتمدة على الخداع وانتحال الهويات والادعاءات الشخصية. إلا ان يقظة الانصار وخبرتهم التنظيمية افشلت العديد من تلك المحاولات، وكشفت حقيقة اصحابها قبل ان يحققوا اهدافهم. ومن بين تلك الوقائع، تبرز قصة "الرسالة التي جنت على صاحبها" بوصفها شاهدا على يقظة الرفاق وفشل مخططات اجهزة الأمن".
في ربيع عام 1985، اخبرني الرفاق ان رسالة وصلتني مع البريد القادم من مقر الفوج في (مراني). استبشرت خيرا لوهلة، لعلها تحمل أخبارا سارة. ذهبت لاستلامها من مكتب سرية مقر القاطع في بهدنان. الرسالة عبارة عن ورقة من دفتر مدرسي طُويت عدة طيات حتى أصبحت بحجم علبة كبريت، ولُصقت بشريط شفاف، وعنونت الى الرفيق (وسام). فتحتها بحذر، تغمرني رغبة عارمة لمعرفة مُرسلها.
وجدت فيها كلمات مقتضبة كُتبت بخط واضح بقلم جاف: "أنا من أقربائك، التحقت بالفوج الاول، ومشتاق ان أراك". انتهت الرسالة.
تساءلت: من هو هذا القريب؟، وماذا يحمل من أخبار؟. دارت في رأسي أسئلة كثيرة. أثناء عودتي الى فصيل الاسناد، التقيت بالرفيقين: المستشار السياسي (ازاد)، وامر الفصيل الراحل (أبو رشدي). أخبرتهما بموضوع الرسالة، وطلبت اذنا للذهاب الى الفوج الاول.
قال لي الرفيق أبو رشدي: حضّر نفسك غدا، هناك مفرزة عائدة الى (مراني).
بعد الساعة الرابعة من عصر اليوم التالي، انطلقت مع مجموعة صغيرة من الرفاق، ووصلنا بعد يومين. بعد ان سلمت على الرفاق، سألت عن المدعو حازم. قال لي أحدهم: "تقصد أبو حازم الإداري؟"، قلت: "لا، رفيق ملتحق جديد". أشار لي اخر قائلا: "ذاك هو الرفيق الذي تقصده".
كان أسمر اللون، عمره نحو العشرين او اكثر قليلا. اقتربت منه، حييته، فصافحني بحرارة، وحدثني أنه سعيد بوجوده بين الرفاق. قلت له: "اعذرني، لم أعرفك، ولم ألتقِ بك سابقا في منطقة سكني في بغداد".
قال: "أنا كنت صغيرا، لكنني أعرفك. رأيتك في مدينتنا عدة مرات".
أخذت أراجع وجوه الناس الذين أعرفهم، والأماكن التي عشت فيها. بقيت حائرا، فقد تركت بيتي منذ عدة سنوات، وكل شيء تغير. لكن المعلومات التي ذكرها عن اهلي واصدقائي كانت صحيحة.
سألته: كيف عرفت اسمي وسام؟
أجاب: عندما التحقت هنا، سألت عنك الرفاق.
لم يدخل حديثه في رأسي كما يقال. ودعته وتمنيت له التوفيق.
بعد يوم، عدت الى فصيل الاسناد في مقر القاطع في (زيوه)، وأخبرت الرفاق بما جرى. قلت بصراحة: هذا الشاب لا أعرفه، ولم أره من قبل، ولا يمكنني تزكيته.
بعد شهر، جاءت مفرزة من الفوج الأول، ومعهم ثلاثة سجناء، أُودعوا في الغرفة التي بُنيت قبل أشهر بجانب المطبخ المجاور لغرفة الاسناد، أُستخدمت كسجن مؤقت. دفعني الفضول لانظر من الشباك الصغير في جدار الغرفة.
تفاجأت بوجود الشاب الذي ادعى أنه من أقاربي بينهم!.
في اليوم التالي، ذهبت الى غرفة التحقيق، التي تقع أسفل مقر الاسناد بنحو مئة متر. هناك رأيت الرفيق (أبو شهاب) واقفا أمام الباب، يمسك سيجارة بين أنامله، أشقر البشرة، تبدو على وجهه علامات الجد، لكن حين سلمت عليه ابتسم قائلا: تفضل رفيق وسام، هل تحتاج شيئا؟.
قلت له: أحد المسجونين الثلاثة يدعي أنه قريبي، ورويت له قصة ذهابي الى الفوج الأول، وسألته: اذا لم يعترف، يمكن أن أستغل صلة القرابة التي يدعيها، واستدرج منه المعلومات التي تريدونها. بصراحة، عندي فضول أن أعرف قصته.
أجاب مبتسما: شكرا على مبادرتك. لقد اعترفوا جميعا. تعال، ادخل، وسأحكي لك قصتهم، على أن يبقى الأمر سرا بيننا.
دخلنا الى الغرفة، وبدأ يروي:
هؤلاء وصلوا الى الفوج الأول عن طريق تنظيم الداخل، ومعهم تزكية من بغداد. لكن كاجراء احترازي، تم توزيعهم على ثلاث مفارز، وكُلّف الرفاق بمراقبة تحركاتهم. كنا على علم بالرسالة التي وصلتك، وبالمعلومات التي أخبرت بها الرفاق، وكل ذلك ساعد في جمع الأدلة ضدهم.
أدخلناهم غرفة التحقيق واحدا تلو الآخر. في البداية اصفرّت وجوههم، ثم أعطيت كل واحد منهم كسرة من الخبز اليابس ليأكلها. الشخص الذي يكذب ويخشى انكشاف أمره يجف فمه بسبب توقف عمل الغدد اللعابية، فيتعرض للاختناق. وهكذا اعترف اثنان منهم، أما الثالث فأنكر، لكنه لم يصمد أمام الأدلة واعترافات رفيقيه. ثم تابع:
هؤلاء طلاب في الصف الثاني بكلية الهندسة في بغداد. كانوا، بعد انتهاء دوامهم كل يوم أربعاء، يذهبون سرا الى دائرة الأمن في الكاظمية، حيث يتلقون دروسا نظرية في الفلسفة الماركسية، ومعلومات عن الحزب، ودروسا عملية حول كيفية التعامل بين الرفاق.
كان هدفهم في البداية كشف الطلبة الشيوعيين وأصدقائهم، ثم انتقلوا إلى مرحلة أخطر: الذهاب الى مقرات الأنصار في كردستان، والتعرف على أكبر عدد ممكن من الرفاق. وبعد أشهر، يطلبون العمل في تنظيمات الداخل، فيصبحون أصدقاء لأحد الرفاق، ثم يشكلون حلقة أصدقاء، يدفعون التبرعات، ويستلمون جريدة الحزب السرية.
بعد فترة، يدّعون أن حياتهم مهددة، وأن عناصر الأمن اقتحمت منازلهم، وأن لا مكان آمنا لهم، وأن أفضل حل هو الذهاب الى كردستان. بعد نجاح هذه المسرحية التي أعدّتها دوائر الأمن باتقان، يزوّدهم أحد الرفاق برسالة توصية، ويسلّمهم مفتاح الطريق، وهكذا يصلون الى مقر الفوج الأول. شكرته على هذه المعلومات المهمة. وقبل أن أغادر، قال لي: لا تنسَ، هذا الأمر يجب أن يبقى سرا بيننا.
عندما خرجت، قلت في نفسي: الرفيق أبو شهاب حاصلا على ماجستير في القانون من جامعة البصرة، ودكتوراه من جامعة موسكو، فكيف لهؤلاء ان يفلتوا من قبضته!؟....
...................................................................
* النصير والكاتب القانوني حكمت الحكيم (أبو شهاب)
من مواليد عام 1948 في تلكيف بمحافظة نينوى. توفي في الولايات المتحدة عام 2010. حصل على شهادة البكالوريوس في الحقوق من جامعة البصرة عام 1970، ثم نال الماجستير والدكتوراه في القانون الدستوري والنظم السياسية من جامعة موسكو عام 1976.
التحق بالحركة الأنصارية في جال كردستان عام 1983 في قاطع بهدينان، وعمل محققا في سرية مقر (زيوة)، مستفيدا من خبرته القانونية في كشف العديد من العملاء الذين حاولوا اختراق صفوف الانصار. اشتهر بذكائه ودقته في التحقيق مع المندسين. كما خدم في الفوج الأول (مرانه)، والفوج الثالث (كلي هسبه) في ذات القاطع، وكان محل احترام وتقدير بين الأنصار وأهالي المنطقة.
بعد حملة الأنفال عام 1988 غادر الى ليبيا، حيث عمل عضوا في الهيئة التدريسية بجامعة التحدي في سرت بين عامي 1990 و 1999، ثم انتقل مع عائلته الى الولايات المتحدة.
عقب عام 2003، عاد الى العراق، وتولى عددا من المناصب المهمة، منها مستشار قانوني في اللجنة الدستورية، وعضو لجنة صياغة الدستور العراقي، وعضو الجمعية الوطنية الانتقالية. كما عمل مستشارا قانونيا في المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري، وترك إرثا فكريا وقانونيا تمثل في عشرات الدراسات والمقالات، إضافة الى كتابه "الدساتير العراقية المؤقتة وحقوق المواطن العراقي".
الدكتور النصير حكمت حكيم (أبو شهاب) كان مفكرا عراقيا بارزا، وناشطا سياسيا وتكنوقراطيا، شارك في جهود اعادة بناء العراق بعد 2003، خاصة في المجال القانوني والدستوري، كما ساهم في مجلس اعمار العراق في واشنطن قبل سقوط النظام، وبرز كخبير قانوني قدم رؤية لمشروع دستور عراقي.
عُرف بجهوده في دعم التعايش والوحدة الوطنية، خصوصا بين المكونات العراقية المختلفة مثل الكلدان والآشوريين والسريان.