(30/08/1988).
سعيد شابو
صبية قروية جميلة، تحمل في عينها هموم الأنفال وصورها البشعة، بشعر مبعثر على كتفيها ، وخصلات متماسكة متصلبة بفعل العرق الغزير المنساب من ىشدة التعب والحرارة. في عمر يقارب الثانية عشرة ، تسحب وتقود البغلة ، ممسكة بيدها سلسلة أو رباطا أو لجام الحيوان، حافية القدمين، وقليل من الدماء يسيل من قدميها ليختلط بالأتربة العالقة بهما. وتمسك الصندل المطاطي بيدها الأخرى، لأنه غير صالح للمسير في الجبال وقطع المسافات في هذا القيظ، في صيف لاهب.
العرق قد غمر خصلات شعرها وترك بصماته تدريجيا على وجهها البريء المحمر، الشبيه بلون التفاح الجبلي القرمزي المتوهج، ليشكل عناوين صارخة لما يجري من تحديات في وطن قاده طغاة سفلة، قتلة وخونة، فاقدو الغيرة الإنسانية والصيرة، ينالون من الأبرياء بلا وازع ضمير أو وجدان.
أما البغل فلا يعي ما يدور حوله ، ولا يفهم ما يحدث لهذه العائلة المشردة في وطن آبائها وأجدادها. وعلى ظهره خرج محمل، لكنه في هذه المرة لا يحتوي على بضاعة أو متاع، بل على الإنسان، ذلك الذي أصبح في زمن الحرب أدنى رلأسمال، لا أثمن رأسمال كما قال ماركس. في كل جانب من الخرج طفل مكور، صبي وصبية، وصبي آخر وصبي آخر ممط البغلة، تتحرك قدماه فتضربان رؤوس إخوته مع كل حركة يحاول فيها التوازن كي لا يسقط أرضا. الجميع مربوطون مشدودون كحمل الحطب، مثبتون بالحبال كي لا يتزحزحوا أو يسقطوا أثناء الصعود والنزول في المسير الجبلي.
والأم تلهث خلف البغلة ، في حيرة نادرة المثال ، مذهولة بما تشهده من جموع منتظرة. أوقفتهم قليلا وأخبرتهم بما حصل لنا في اليوم السابق، وما جرى للمفارز الأخرى مت قطع جميع الطرق والمنافذ وسيطرة القوات العسكرية عليها.
لكنها لم تصدق ذلك بسهولة، وظلت مصرة على الخلاص من المأزق، راغبة قي الإستمرار والوصول الى الهدف المنشود، النجاة من جحيم التطويق والأطواق المميتة. وواصلت المسير في فزع وبكاء ، منادية ربها: خودايه ، إلهي، الى أين نحن ذاهبون؟
مصمم الغلاف للكتاب الثالث والأخير( وطنيون بلا وطن )، الفنان المبدع ساطع هاشم / أبو غصون، والمصحح اللغوي والأديب والروائي ناهض هندي ، والمترجم القدير الى اللغة الكوردية الكاتب والأديب رابر رشيد .أسبق الحدث بيومين 2026/08/30