خمسة أعوام على صوت أمين لتاريخ الأنصار وحاضرهم تمرّ هذه الأيام الذكرى الخامسة على صدور صحيفة النصير الشيوعي، الناطقة باسم رابطة الأنصار الشيوعيين العراقيين، تلك الصحيفة التي انطلقت في تموز من عام 2021 لتحمل على عاتقها مهمة ليست باليسيرة، أن تكون صوتاً أميناً يوثّق ملحمة الأنصار الشيوعيين العراقيين، وأن تبقى في الوقت ذاته منبراً ديمقراطياً يسارياً حياً ينبض بقضايا الحاضر، لا مجرد أرشيف يستعيد الماضي. وفي مسيرتها القصيرة زمنياً، راكمت الصحيفة تجربة غنية تؤكد أن الذاكرة حين تجد من يصونها تصبح جسراً يصل الماضي بالحاضر والمستقبل.

ميلاد مرتبط بالذاكرة والاستمرارية لم يكن اختيار توقيت صدور العدد صفر من الصحيفة عابراً، فقد جاء تزامناً مع الذكرى السادسة والثمانين لصدور كفاح الشعب، أول جريدة شيوعية عراقية، في إشارة رمزية مقصودة إلى أن النصير الشيوعي ليست بداية منفصلة، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الصحافة اليسارية العراقية التي رافقت الحزب الشيوعي العراقي منذ عقوده الأولى، صحافة وُلدت في الخفاء، وطُبعت في الجبال والمخابئ السرية، وتنقّلت من يد إلى يد بين المناضلين قبل أن تصل إلى العلن وباختيار هذا التاريخ، أرادت الصحيفة القول إن خيط الاستمرارية بين أجيال الصحافة الشيوعية العراقية لم ينقطع، وأن الأنصار الذين حملوا السلاح في الجبال كانوا في الوقت نفسه يحملون القلم، وأن الكتابة كانت دوماً وجهاً آخر من وجوه المقاومة، فالكلمة المكتوبة لم تكن ترفاً، بل وسيلة لحفظ المواقف والتجارب، ومواجهة النسيان الذي يهدد دائماً ذاكرة الحركات الوطنية.

توثيق مسيرة الأنصار منذ عام 1963 تعود جذور حركة الأنصار الشيوعيين العراقيين إلى عام 1963، تلك السنة التي شهدت واحدة من أعنف حملات القمع والاعتقال والتصفية بحق الشيوعيين العراقيين ومناضلي الحركة الوطنية، والتي دفعت كثيرين من الرفاق إلى الجبال والمناطق الوعرة بحثاً عن ملاذ يواصلون منه النضال ضد نظام دكتاتوري أراد اجتثاث اليسار العراقي من جذوره منذ تلك اللحظة التأسيسية، تشكّلت حركة الأنصار كتعبير عملي عن إرادة البقاء والمقاومة، وتحوّلت الجبال العراقية، وخصوصاً في كردستان، إلى ساحة نضال موازية للساحة السياسية والجماهيرية، جمعت بين البندقية والفكر، وبين الحياة القاسية في الاوكار السرية وبين الإيمان العميق بعدالة القضية.

وتأتي النصير الشيوعي اليوم لتضطلع بمهمة توثيق هذه المسيرة الطويلة، لا بوصفها سرداً حنينياً للماضي، بل بوصفها استعادة نقدية وواعية لتجربة غنية بالدروس، تجربة تستحق أن تُروى بتفاصيلها الإنسانية والسياسية، بعيداً عن التبسيط أو الأسطورة، وقريباً من الحقيقة كما عاشها الأنصار أنفسهم، نساءً ورجالا، قادة وقواعد، شهداء وأحياء ما زالوا يحفظون الذاكرة. ومن هنا تكتسب الشهادات الشخصية أهميتها، لأنها تمنح التاريخ وجهاً إنسانياً، وتكشف تفاصيل لا تستطيع الوثائق الرسمية وحدها أن تنقلها.

نقل الإرث إلى الأجيال الجديدة هو من بين أبرز الأهداف التي انطلقت من اجلها الصحيفة، تلك الأجيال التي لم تعش تفاصيل تلك الحقبة، لكنها تحتاج أن تعرف أن هناك من قاوم حين كانت المقاومة تعني المخاطرة بالحياة ذاتها، فالصحيفة تراهن على أن سرد التجربة بصدق وشجاعة، بلا تجميل مفرط ودون تسطيح، هو أفضل سبيل لإبقاء هذا الإرث حياً في الوعي الجمعي، لا حبيس الذاكرة الفردية لجيل يتقدم في العمر، وهنا تتجلى وظيفة الصحافة كأداة للذاكرة المشتركة، إذ تحوّل التجربة الشخصية والجماعية إلى نص مكتوب يمكن الرجوع إليه، ونقاشه، والتعلم منه، بدلاً من أن تبقى حبيسة الأحاديث الشفوية المعرّضة للتلاشي مع رحيل من عاشوها.

منبر يساري ديمقراطي في مشهد صحفي متغير لم تكتفِ النصير الشيوعي بدور الأرشيف التاريخي، بل سعت منذ عددها الأول لأن تكون منبراً ديمقراطياً يسارياً فاعلاً، يناقش قضايا الراهن العراقي والعربي من زاوية نقدية يسارية، ويدافع عن مبادئ الصحافة اليسارية العالمية الحرة في زمن تتراجع فيه مساحات حرية التعبير في أكثر من موقع، وفي مشهد إعلامي عربي وعراقي تتقاسمه في الغالب خطابات مهيمنة، رسمية أو سوقية أو طائفية، تحاول صحيفة كهذه أن تفتح نافذة مختلفة، تعيد الاعتبار للسؤال الطبقي والاجتماعي، وتربط بين النضال التاريخي للأنصار وبين قضايا العدالة الاجتماعية والديمقراطية التي لا تزال مطروحة بإلحاح في العراق الراهن.

منذ صدور عددها التجريبي، واصلت الصحيفة إصدار اعدادها بانتظام، على مدى خمس سنوات، بدءًا من العدد صفر، وهي مرحلة متقدمة نسبياً في عمر إصدار يعتمد أساساً على جهد تطوعي والتزام سياسي وأخلاقي أكثر منه على موارد مؤسسية ضخمة، وهذا الاستمرار بحد ذاته يحمل دلالة على أن هناك قاعدة من القراء والمناصرين ما زالت ترى في الصحيفة قيمة حقيقية، سواء كأرشيف حي لتجربة الأنصار، أو كمنبر لنقاش يساري مستمر.

ختاماً: صوت لا يزال ينبض في ذكراها الخامسة، تقف النصير الشيوعي عند محطة تاريخية جديرة بالتأمل، لا للاحتفاء الذاتي فحسب، بل لتجديد الالتزام بالمهمة التي انطلقت من أجلها، أن تبقى صوتاً أميناً للأنصار الشيوعيين العراقيين، ولسان حال رابطتهم، ومنبراً يسارياً ديمقراطياً حراً، يوثّق الماضي دون أن يتوقف عنده، ويخاطب الحاضر دون أن ينسى من أين جاء، فمن الجبال التي احتضنت المقاومة منذ عام 1963، إلى صفحات صحيفة تصدر اليوم في زمن مختلف تماماً، تبقى الفكرة المركزية واحدة أن النضال من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية يحتاج دوماً إلى من يوثقه، ويرويه، ويورّثه لمن سيأتون من بعد.

النصير الشيوعي، العدد 50 السنة الخامسة، أيلول 2026