النصير حكمت حسين (أبو أقبال) في حديث لـ"لنصير الشيوعي"

"دأبت "النصير الشيوعي" على إجراء لقاءات مع رفيقات ورفاق حركة الأنصار الشيوعيين، إيمانا منها بأهمية تسليط الضوء على محطاتها الانسانية والنضالية، واستذكار تضحيات الأنصار الذين واجهوا الدكتاتورية بشجاعة وإخلاص.

وفي هذا الاطار، إلتقينا بالنصير حكمت حسين (أبو إقبال)، الذي استعاد جانبا من تجربته في صفوف حركة الأنصار الشيوعيين، وما رافقها من تحديات ومواقف انسانية لا تزال حاضرة في ذاكرته، فضلا عن الدروس التي استخلصها منها، ومقترحاته للحفاظ على هذا الارث النضالي والتعريف به لدى الأجيال الجديدة".

  • ماذا تمثل لكم تجربتكم في حركة الأنصار؟

إلتحقت بحركة الأنصار مرتين، الأولى عام 1980 الى عام 1983، حيث ذهبت للدراسة الحزبية، والثانية عندما عدتُ الى كردستان، عام 1985 حتى الانسحاب بعد عمليات الأنفال عام 1988.

في المرحلة الأولى كنت في قاعدة هيركي، وعملت بمهمة دليل بين قاعدتيّ هيركي وڰوستا، وهي مهمة صعبة تقتضي التركيز على الطريق، الذي تتغير معالمه حسب فصول السنة، واحيانا نضطر للمرور تحت ربايا القوات التركية، أو بطريق محدد جداً بين القرى، لتفادي المناطق الملغّمة من قبل النظام الدكتاتوري المقبور. رحلاتي العديدة والحديث مع المواطنين، ساعدني كثيراً في تعلّم اللغة الكردية بشكل جيد جداً، لأن المواطن الكردي يقوم بتصحيح النطق عندما يكون هناك خطأ ما اثناء اللفظ، وللأسف لم أستطع الاحتفاظ بتلك الإمكانية، بسبب الانتقال الجغرافي وتغّير ظروف الحياة. إضافة الى التعلّم من تجارب حياة المواطنين، الذين تعرضوا للتهجير بعد ارتداد النظام عن اتفاق آذار 1970 ، بين الحكومة آنذاك والحزب الديمقراطي الكردستاني.

الصورة المرفقة مع (مام علي) من قرية (كي) على الحدود العراقية التركية، والذي ظل يتردد باستمرار على قريته، متجاوزاً مخاطر الربايا الحكومية حتى انسحاب القوات العراقية أثر اندلاع الحرب العراقية الإيرانية 1980، كان يستقبلنا بلطف عالِ ويقدم لنا ما نحتاجه. وفي أواخر 1982، تم نقلي الى مقر بشت ئاشان للعمل في جهاز هيئة التنظيم المركزي.

المرحلة الثانية كانت في الفصيل المستقل، المعني بالعمل التنظيمي في الداخل، وكان من المفروض نزولي مع العميل (أبو بهاء)، ولحسن الحظ تم اكتشاف خيانته قبل ذلك. في تلك الفترة تعرضتُ مع الرفاق الآخرين، الى القصف الكيمياوي لمقر (زيوة). كانت تجربة صعبة حقاً تجاوزها الحزب بأقل الخسائر، ولكن فيها الكثير من التفاصيل المؤلمة وأخرى "مضحكة".

تعدّ مرحلة التراجع والانسحاب، من اشد المحطات مرارة في تلك الفترة، فبعد انكسار الحركة اثر عملية الأنفال المعروفة، واضطرار مجموعتنا بعد انقطاع سبل الوصول الى الحدود التركية أو الإيرانية، الى التوجه نحو العمق، ثم الدخول لمدينة الموصل وعبورها باتجاه الحدود السورية. كان علينا التخفي طوال النهار، فيما اقتصر التحرك على ساعات ما بعد غروب الشمس. نجحت خطط الرفاق في تنظيم محلية نينوى بإيصال عدد من الرفاق والرفيقات الى الحدود بسلام، وكنت أنا والرفيق الفقيد ئاشتي والرفيق فرهاد، أول مجموعة تتجاوز الحدود بسلام في ا تشرين الأول 1988.

شكّلت سنوات حياتي في حركة الأنصار مصدر فخر كبير جداً، فقد تعلمتُ الكثير من الرفاق من حولي، كما نهلت من قيم أبناء الشعب الكردي، الذين كنا نحلّ ضيوفا ًفي بيوتهم. وينبهر أبنائي والأصدقاء الدنماركيون، عندما أحدثهم عن حياة الأنصار وبطولاتهم.

في أيلول 2014، كنتُ ضمن 100 مواطن من كوبنهاكن، في معرض بورتريت شخصي أقامه متحف كوبنهاكن، أثر مشاركتنا في عرض مسرحي في العام السابق بعنوان 100% كوبنهاكن. ارتديت لصورة البورتريت ملابس البيشمركة، حسب طلب الصحفية (مايا ايركسن)، التي اشرفت على العرض الأول، وتعرف جزء كبير من حياتي.

وفي عام 2019، اشتركتُ في عمل مسرحي، عن واقع حياة 7 رجال باختلافاتهم، تحدثت فيه عن تجربتي قبل وبعد وصولي للدنمارك، وأبرزت مشاركتي في الكفاح المسلح، واصابتي بالسلاح الكيمياوي. الدنماركيون يهتمون بالتعرّف على مثل هذه القصص.

 

  • كيف تقيمون تجربة حركة الأنصار الشيوعيين العراقيين؟

لا يمكن لأي مُنصف إلا أن يقيّم حركة الأنصار إيجابيا، لما قدمته من نضال وطني، في ظروف اقل ما يقال عنها إنها غير مؤاتيه، وليس في صالح حركة الأنصار التي تعمدت بدماء الشهداء، رغم كل النواقص والأخطاء التي ارتكبت تنظيمياً وسياسياً وعسكرياً، والتي تتحملها قيادة الحزب، بمستوى تفكيرها حينذاك. ولن أكون منصفاً إذا أقيّم ظروف الحركة ونشاطها بعقلية اليوم، التي تحررت من الكثير من المفاهيم.

كانت مبادرة قيادة الحزب في إصدار مسودة وثيقة تقييم حركة الأنصار، ضمن التحضيرات للمؤتمر الوطني السادس للحزب عام 1997، وعرضها على الرفاق والأنصار في هيئاتهم الحزبية، لدراستها وإبداء الملاحظات عليها، مبادرة قيّمة جداً، وهي مراجعة مبدئية صريحة وواضحة للتجربة الأنصارية بكل جوانبها. شخصياً لم أساهم في تقديم رأي حول الوثيقة، لأن ما كان بذهني لم يكن له مكان في الوثيقة، وهو تقييم جوانب تتعلق بعوامل نفسية واجتماعية.

 

  • ماهي اهمً القضايا الإنسانية التي ظلت في بالكم؟

كثيرة جداً، منها  ما يبعث على الفرح مثل استقبال المواطنين الكرد لنا في بيوتهم، وفي اي وقت، وتقديم ما يتوفر لديهم من الطعام، ومنحهم لنا أفرشتهم للنوم، أتذكر، خلال انتقال مفرزتنا من بهدنان الى هيركي، وصلنا الى احدى القرى، بعد مسير طويل وسط الثلوج، راودتنــا رغبة الاقتراب من المدفأة، لكن مضيفنا رفض ذلك، وأحضر لنا طشت مملوءاً بالثلج، ثم طلب أن نضع أقدامنا العارية فيه وراح يفركها بيديه،حتى استعادت دفأها تدريجياً.

هناك أيضاً ذكريات إنسانية مؤلمة جداً، إحداها عند هجوم قوات السلطة في عملية الأنفال، واضطرارنا إلى ترك مقر مراني بحثاً عن مخرج لنا ولعوائل رفاقنا، الذين شاركونا التنقل بين الجبال، لن أنسى صورة الطفل (زفين) ذو الأربع أو الخمس سنوات، ابن الرفيق ابو داود الأيزيدي، وهو يسير مع شقيقاته الثلاث حافيا، حبست دموعي يومها، و مازلت أحبسها كلما تذكرت تلك الصورة. وعند صدور قرار العفو المشؤوم في 6 أيلول 1988، غادرت العوائل الجبل، لكنهم كما يعلم الجميع، انتهوا  ضحايا للتصفية الجسدية الوحشية.

 

  • ما رأيكم بعمل جريدة النصير الشيوعي وماهي مقترحاتكم لتطويرها؟

الجريدة لها دور مهم في التعريف بالحركة الأنصارية، عند تصفّح أعدادها ال 48 سنجد قصص بطولية رائعة، إلا انها لا تصل الى غير الأنصار وغير الشيوعيين بالشكل المطلوب. من المؤسف حقاً أن التعريف بحركة الأنصار، لم يصل الى الجماهير في المحافظات. هم يعلمون بحركة الانصار، ولكن لم يصلهم مستوى التضحيات والبطولات، التي قدمها الحزب، ولم يتم استثمار هذا التاريخ النضالي في أوقات الانتخابات. أتذكر عند إنجاز فلم الرفيق النصير علي رفيق (أبو ليث) المعنون (سنوات الجمر والرماد)، التقيت بأحد أعضاء اللجنة المركزية، وهو من الأنصار أيضاً، وسألته عن سبب عدم توزيع الفلم على المحليات، مع توصية عرضه جماهيرياً على الناس وفي حينها فترة الانتخابات؟ رد عليّ: "أنت تعرف جماعتنا بطيئين".! المهمة لازالت قائمة إذا كنا نبحث عن أصوات انتخابية، ونسعى لتعريف الناس بنضالنا، خاصة جيل الشباب، الذي لم يعرف سوى نظام الدكتاتورية، ونظام الإسلام السياسي الحالي.

أرى من الضروري أن تتبنى الهيئات الحزبية في المحافظات، خطة أكثر فعالية لتوزيع الجريدة بشكل أوسع، وتنظيم فعاليات تعريفية بحركة الأنصار، من خلال نشر مواضيع الجريدة، كما أقترح إدراج تاريخ حركة الأنصار، ضمن محاور الدورات الحزبية والاجتماعات التثقيفية  أيضا في ندوات "بيتنا الثقافي" والأنشطة الثقافية في المحافظات، على نحو منتظم ومستدام. من المفيد أيضا تخصيص رابط على الموقع الإلكتروني للحزب يضم جميع أعداد الجريدة، بما يتيح سهولة الوصول إليها والاطلاع على محتواها، فالمواطن لن يكتفي بقراءة بيانات الحزب المناهضة للمحاصصة والفساد، كي يمنح صوته الانتخابي لنا.

اقترح ايضا عدم إثقال صفحات الجريدة، بالنصوص "الكاملة" للبيانات السياسية والبرقيات في المناسبات الوطنية، لاسيما انها موثقة ومتاحة في موقع ينابيع العراق، واستغلال المساحة للتوثيق التاريخي، وهو الهدف الأساس الذي من أجله تأسست رابطة الأنصار الشيوعيين.

في الختام  لابد لي من الثناء الكبير على الجهود التي تُبذل في اصدار الجريدة وتوزيعها.

النصير الشيوعي، العدد 50 السنة الخامسة، أيلول 2026