تهيأت والرفيقان مجيد دوكاني وسلام لمغادرة منطقة قرداغ باتجاه شهرزور. كانت الرحلة تستغرق ثلاثة أيام بلياليها، نقضي ساعات النهار مختبئين، ونسير ليلا على الأقدام، مع الحرص الشديد على تجنب أي تجمع سكاني أو لقاء أي شخص، حتى لا نقع في قبضة قوات (أوك) المنتشرة في المنطقة، فضلا عن دوريات الجيش والجحوش.
وبحكم معرفتنا الجيدة بهذا الطريق، حملنا معنا مؤونة تكفينا طوال الرحلة. خلال النهار نختبئ بين سنابل الحنطة والشعير التي تغطي سهل شهرزور، نأكل ما تيسر من الطعام، ثم نعاود السير مع حلول الظلام.
بعد ثلاثة أيام من المشي، وصلنا الى منطقة شديدة الخطورة قرب ناحية (خرمال). وهناك اكتشفنا أن الأوضاع العسكرية قد تغيرت، فالطريق الذي سلكه الرفيق مجيد دوكاني سابقا لم يعد آمنا، وأصبح المرور عبره مستحيلا تقريبا. فقد تبدلت خطوط المواجهة بين الجيشين العراقي والايراني، وغدت امكانية الصعود الى مقر (كرچال) بالغة الصعوبة، حتى إن فكرة العودة الى قرداغ أصبحت مطروحة للنقاش.
أجرينا استطلاعا للمنطقة بواسطة المناظير، فشاهدنا مجموعة من الأشخاص مع عائلاتهم يتجهون نحو الحدود. عندما إلتقينا بهم، تعرفنا الى بعضهم. كانت بينهم عائلة مكونة من أب وأم وطفلتين، إحداهما رضيعة، والأخرى في نحو السادسة من عمرها.
أخبرونا أنهم كانوا فارين من الخدمة العسكرية، ثم إلتحقوا بالجحوش، لكنهم قبل يومين أحرقوا عددًا من سيارات نقل الوقود التابعة للحكومة، الأمر الذي اضطرهم إلى الفرار نحو إيران. وقد استأجروا دليلًا من أبناء المنطقة يعرف المسالك الجبلية، رغم وعورتها وخطورتها، إذ ان المواقع العسكرية العراقية والإيرانية متداخلة على امتداد الحدود، فكل قمة يحتلها الجيش العراقي تقابلها أخرى يتمركز فيها الجيش الأيراني.
كان وجود طفلة صغيرة معنا يضاعف حجم المخاطرة. فلو بكت في إحدى النقاط الحساسة، فقد تكشف موقع الجميع. بعد نقاش طويل، لم نجد سوى حل واحد، وهو إعطاؤها حبة (فاليوم) لتنام ساعات طويلة، من دون أن نفكر يومها بالآثار الجانبية التي قد تسببها لها.
سرنا خلف الدليل بحذر شديد، نعبر الحافات الجبلية الواقعة بين الربايا العراقية والايرانية. الليل شديد الظلمة، فيما استمر الرمي العشوائي المتبادل بين الطرفين. حملت الأم رضيعتها، بينما حمل الأب ابنته الكبرى. ولم يكن من الصعب أن ألاحظ ما يعانيه الوالدان من إرهاق، فالمسير شاق، والرؤية محدودة، والجبل موحش.
ولأنني لم أكن مسلحا حينها، عرضت على الأب أن أحمل الطفلة الكبرى، بينما تولى هو حمل الرضيعة بدلا من زوجته. في تلك اللحظة تولد داخلي شعور عميق بأن هذه الطفلة أصبحت أمانة في عنقي، وأن عليّ إيصالها سالمة مهما كانت الظروف.
مع بزوغ الفجر وصلنا الى منطقة (هاني قولكة)، حيث توجد قرية مهجورة تنتشر فيها القوات الايرانية. هناك سلمت العائلة نفسها الى الجانب الايراني، ولم ينس أفرادها التعبير عن امتنانهم لمساعدتي، مؤكدين أنهم سيردون هذا الجميل يوما ما. وبالفعل، أتيحت لهم الفرصة لاحقا، وقدموا لي العون عندما كنت في أمسّ الحاجة إليه.
لم يبق بيننا وبين مقر كرچال سوى ساعتين تقريبا. خلالهما اضطررنا الى عبور تلة مكشوفة تماما للقوات العراقية، كانت تتعرض باستمرار للقصف المدفعي. عندما وصلنا الى مقر البتاليون السابع، الذي كان يقوده الرفيق الشهيد علي كلاشنكوف، بادر الى إرسال برقية الى قيادة الحزب ابلغهم فيها بوصولي، فجاءه الرد بتقديم كل ما يلزم لمساعدتي على الوصول إليهم.
أقمت في مقر البتاليون نحو عشرة أيام، لكن الرفيق لم يتمكن من الحصول على إجازة المرور اللازمة لعبوري الأراضي الايرانية، وهي إجازة كنا نحصل عليها عادة بمساعدة حلفائنا في الحزب الديمقراطي الكردستاني. وأخيرا، وبناءً على تشجيع من الرفيق علي كلاشنكوف، قررت دخول الأراضي الايرانية من دون إجازة، برفقة مفرزة تابعة لـ(حدك).
كانت المفرزة كبيرة العدد، ولذلك لم نتوقع أن يطالبنا الجانب الايراني بإجازات المرور، خصوصا أنهم يعرفون أفرادها جيدا. إلا أن الاجراءات تغيرت، وطُلب من الجميع إبراز تصاريحهم. ولأنني لم أكن أملك تصريحا، اعتقلني أفراد البازدار مع ثلاثة من الملتحقين الجدد بـ(حدك)، واقتادونا الى مركز احتجاز في مدينة مريوان.
هناك التقيت مجددا بالعائلة التي سبق أن ساعدتها أثناء عبور الحدود. وقف أفرادها الى جانبي طوال فترة اعتقالي، مقدمين لي ما استطاعوا من دعم ومساعدة، كما طلبت منهم إبلاغ الحزب بخبر اعتقالي.
استمر احتجازي شهرين كاملين. خضعت للتحقيق مرتين يوميا، وكنت أصر على أنني من جماعة (حدك)، مستعينا بمعرفتي بأسماء مسؤولي الحزب ومناطق نشاطهم. لكن المحققين كانوا مقتنعين بأنني من أنصار الحزب الشيوعي العراقي، منتظرين اعترافي بذلك ليجدوا مبررا لاستمرار احتجازي.
بعد أيام أطلقوا سراح المعتقلين الثلاثة الذين كانوا معي، بينما نُقلت أنا الى زنزانة انفرادية صغيرة وشديدة الحرارة، بعدما يئسوا من انتزاع أي اعتراف مني.
ما ان علمت العائلة بظروفي، أخذت ترسل إليّ الماء البارد والطعام عبر بعض السجانين. أما وقتي في المعتقل، فقد قضيته في قراءة الكتب الدينية الشيعية، لأنها كانت الكتب الوحيدة المتوفرة. كان المحققون يبدون ارتياحهم عندما يرونني أقرأها، ويحثونني على أداء الصلاة. لكنني كنت أجيبهم دائما: "سأكون منافقا إذا صليت وأنا في السجن، بينما لم أكن أصلي وأنا حر."
بعد شهرين من الاعتقال، أثمرت وساطة (حدك)، فأُطلق سراحي بشرط ألا أدخل الأراضي الايرانية مرة أخرى، وألا أتحدث عما جرى لي. تجدر الإشارة الى أنني لم أتعرض لأي تعذيب جسدي، ولم أسمع شتائم أو إساءات، بل إنهم أوصلوني بسيارتهم الى المكان الذي اعتقلت فيه.
عدت بعدها الى مقرنا في كرچال، حيث علمت بالاتفاق الذي أُبرم بين حزبنا وأوك، والقاضي بوقف الاقتتال بين الطرفين، وكذلك بين مختلف القوى الكردستانية، وتوحيد الجهود في مواجهة سلطة النظام الفاشي.
بعد يومين فقط، نزلت مع مفرزة جديدة الى قرداغ، حيث التحقت مجددا برفاقي في البتاليون التاسع، الذين استقبلوني بحفاوة كبيرة، في لقاء كان له أثر بالغ في نفسي بعد تلك التجربة القاسية.