كثيرةٌ هي حكاياتنا التي لم تنتهِ، ولن تنتهي، ستظل حيّةً في الذاكرة، ونأمل أن تدرك الأجيال الجديدة عظمة نضالنا وجسامة تضحياتنا، تلك التضحيات التي لا يمكن اختزالها أو الإحاطة بها مهما كتبنا عنها.
ورغم صعوبة ظروفنا الحياتية وقسوتها، وما رافقها من حرمان، فإنها لم تمنعنا من الحلم والأمل، بل كنا قادرين على صناعة الفرح في أبهى صوره، كانت مسيرتنا حافلة بكل شيء؛ بالألم والحزن والفرح. وهنا أود أن أنقل لكم صورةً عن بعض أيامنا المشرقة من دفاتري، التي لم أستطع إنقاذ سوى جزءٍ يسير منها، الأمر الذي دفعني إلى الاستعانة بالذاكرة لاستكمال ما ضاع، وهو كثير ومهم. وكلي أمل أن تسعفني الذاكرة، وأن يرفدني رفاق الأنصار بما يحتفظون به من ذكريات، لنكمل معًا كتابة صفحات أخرى أجدها جديرةً بالتوثيق.
العرس الأنصاري الأول
عاش الفوج الثالث قصة حب حقيقية بين الرفيقة الراحلة النصيرة دروك (مسيحية الديانة)، والرفيق العاشق أبو سوزان، المسلم الكردي الذي وقف أهله ضد هذا الحب وضد زواجهما.
كانت الرفيقة دروك مثالًا للطيبة والإخلاص، يحبها الجميع لما امتلكته من حنان، وروح مبادرة، واندفاع، وصفاتٍ قلّما اجتمعت في شخص واحد. أضفيا العاشقان على كلي هصبة*، مقر الفوج الثالث، جمالًا خاصًا. كان جميع الأنصار يتمنون أن يتوج هذا الحب الرائع بالزواج.
مرت علاقتهما بمحطاتٍ صعبة وإشكاليات كثيرة آلمتنا جميعًا، ولا أجد ضرورة للخوض في تفاصيلها هنا، بقدر ما أجد من المهم استذكار تلك الأمسية الرائعة التي تُوّج فيها هذا الحب، الذي تحدى الصعاب، ليكون كلي هصبة نفسه شاهدًا على ذلك الزواج.
هناك، في غرفة الرفاق الكبيرة الواقعة في قعر الوادي، المزدانة بما توفر لدينا من أدوات زينة بسيطة، أقمنا لهما حفل الزواج. القاضي رفيق درب، والشهود رفاقًا مناضلين، أما الفرقة التي أحيت الحفل، فهي فرقة الأنصار، التي تتشكل عند الحاجة بصورة عفوية.
الصورة من اليسار: العريس أبو سوزان، العروس دروك، أبو صمود (كاتب المادة)، تانيا.
بعدها جاءت ساعة الزفّة، الجميع تحالف على "أبو سوزان" الوردة، الذي ظل يهدد ويتوعد، لكن تهديداته لم تجدِ نفعًا، فنال نصيبه من المقالب كعادته، ولم يسلم منها إلا بعد أن دخل عشه الذهبي، وسط الهلاهل والزغاريد والرقص والأغاني المتنوعة.
رفيقان جمعهما النضال قبل الحب، وجمعهما الفكر الإنساني قبل كل شيء، كانت ليلةً رائعة؛ رقصنا وفرحنا، وعلت الزغاريد في ذلك الوادي، فبددت شيئًا من ظلمته. الشتاء قاسيًا في كردستان كعادته، لكننا في تلك الليلة شعرنا بدفءٍ حقيقي، مصدره صدق المشاعر ونبل الأحاسيس. فرح الجميع ورقصوا، حتى أولئك الذين كانوا في البداية يعارضون هذا الزواج.
لقد حرست بنادق الأنصار ذلك الحفل، فكان بحق عرسًا أنصاريًا نادرًا.

العرس الأنصاري الثاني
وذكرى ثورة 14 تموز المجيدة
رغم الصعاب، بقيت لنا أيام لا تُنسى بحلاوتها ومعانيها. هكذا كان يوم الرابع عشر من تموز عام 1986، يومًا ليس كسائر الأيام، عاشه أنصار الفوج الثالث في كلي هصبة ضمن قاطع بهدينان.
كان عرسًا من طراز خاص. فالمكان لم يكن قاعةً في أحد النوادي أو مطعمًا فاخرًا، بل في ذلك الـوادي (كلي) الذي تحيط به الجبال الشامخة من كل جانب، وقد زينه الأنصار ببراعتهم. نثرنا الزهور التي جمعناها من الوادي حول حلقة العرس، التي توسطها العروسان: الرفيقة أنوار والرفيق أبو هدى الطريق.
أما عش الزوجية، فلم يكن قصرًا، بل كوخًا صغيرًا صنعه الأنصار من أغصان وجذوع أشجار البلوط، وزينوه بزهور الوادي النضرة والعطرة. اما المطربون والراقصون فهم الشبيبة الأنصارية، يتقدمهم عمودي.
رفيقان تحابّا؛ الرفيقة أنوار، العروس المندائية، تتألق إلى جانب عريسها الجنوبي القادم من مدينة البصرة، الذي كان يزهو كالنخيل. تزوجا رغم كل الظروف والمعوقات؛ فهو مسلم من جنوب العراق، وهي مندائية من وسطه، لكن ما جمعهما كان أعظم من كل الفوارق، وأسمى من كل الانتماءات: الحب، والمبادئ النبيلة.
اختارا كردستان، التي أحبّاها، ساحةً للنضال، وعشًا لزواجهما، وحددا يوم عيد الشعب العراقي، ذكرى ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة، موعدًا لهذه المناسبة.
أنوار وأبو هدى من الرفاق الذين أحبهم الجميع، لما عرف عنهما من خلق رفيع، وطيبة، وإخلاص نادر، لذلك كان لفرحهما طعم خاص في نفوس الأنصار، الذين قدموا في تلك الليلة، من أعماق قلوبهم، أجمل ما لديهم من غناء ورقص وفكاهة.
رقصنا بعنفوان لا يوصف، وضحكنا حتى امتلأت القلوب فرحًا، وحين جاءت ساعة الزفّة، تصاعدت الهلاهل والزغاريد في ذلك الوادي العصي، وادي (هصبة)، حتى غلبت على خرير عين الماء التي شربنا منها سنواتٍ طويلة.
آه... كم كان ماؤك عذبًا وباردًا، يا عين كلي هصبة الرائعة.
دخل العروسان عش الزوجية، وبقينا نغني ونرقص حتى ساعاتٍ متأخرة من الليل، بينما مكثت بنادق الأنصار تحرس الجميع من غدر الغادرين.
كم كان ذلك الزواج بهيًا... ولعمري، ما شهدت عرسًا أروع منه.
* (كلي هصبة): تعني "وادي الخيول"، وهو موقع الفوج الثالث في قاطع بهدينان.