فيما سبق رويت تفاصيل أيامنا الأولى في (گلي كوماته)، وما اتسمت به من قسوة المكان وشظف العيش، أما ذلك المرحاض البدائي الذي بنيناه في الجانب التركي، فقد كان أفراد الجندرمة يعمدون إلى تمزيق ستائره كلما مروا بالمكان، فنعود في كل مرة لاصلاحه وإعادة بنائه، وكأننا نتحدى قسوة الحياة حتى في ابسط تفاصيلها. كما استذكرت الرفيق الشهيد (أبو كريم)، الذي قاد بناء اول قاعة آوتنا، بروحه المرحة وعزيمته، يزرع فينا الأمل رغم الجوع والبرد وقلة الإمكانات.
تلك الأيام، بكل ما حملته من مشقة، لم تكن سوى تمهيد لمرحلة اكثر صعوبة. فما ان استقر بنا المقام في (گلي كوماته)، حتى جاء التكليف الذي نقلنا من بناء المقر الى العمل الميداني داخل الوطن.
في منتصف تشرين الأول / أكتوبر عام 1980، أُبلغتُ مع مجموعة من الرفاق، بالاستعداد للانطلاق في مفرزة استطلاعية الى دشت الموصل. كان عددنا فيما اذكر يقارب العشرين رفيقا، ارتقى معظمهم شهداء في السنوات اللاحقة، من بينهم: ابو هديل، ابو رستم، ابو علي النجار، حكمت، ابو ايفان، وآخرون لا تزال وجوههم تستعصي على النسيان.
حينئذ امتلك النظام القوة والامكانات، ما جعل تحركنا بين قرى (ده شت) الموصل مغامرة محفوفة بالمخاطر، بل اشبه بعملية انتحارية. قدر لنا عبور احد المضايق الجبلية، عندما شق هدير الطائرات سماء المنطقة فوق رؤوسنا. كان الصوت مروعاً، ظننا باننا اصبحنا هدفا لغارة جوية وشيكة، غير اننا علمنا لاحقا ان ذلك الهدير لم يكن سوى الاعلان الاول عن اندلاع الحرب العراقية الايرانية، الحرب التي ستلقى بظلالها الثقيلة على العراق، وتغير ملامحه لسنوات طويلة.
لم يكن هدف مفرزتنا عسكريا فقط، بل كان سياسيا وتنظيميا أيضا. فقد كنا ننتقل بين القرى للتعريف بوجود حزبنا وأنصاره، والتأكيد لأبناء شعبنا الكردي اننا بينهم ومن اجلهم. تفاوتت ردود الأفعال، فبعض القرى استقبلتنا بحفاوة، وأخرى بحذر، فيما كان الخوف من بطش النظام البعثي يخيم على الكثير منهم، رغم ذلك استطعنا اعادة الصلة بعدد من التنظيمات الحزبية، وترميم خيوط انقطعت بفعل ملاحقات السلطة.
قاد المفرزة النصير ابو يعگوب، والرفيق ابو مشتاق مستشارها السياسي، وهو مناضل وعامل عرفناه باخلاصه وتواضعه. بعد انجاز المهمة عدنا الى مقرنا في (گلي كوماته)، ونحن اكثر يقينا بأن الطريق الذي اخترناه، مهما بلغت قسوته، كان طريقا لا رجعة منه.