في الذكرى الثلاثين لرحيل توما توماس، المعروف بأبي جوزيف، تعود أوراقه لتفتح أمامنا صفحات من تاريخ العراق والحركة الشيوعية والحركة الكردية وتجربة الأنصار الشيوعيين. لم تكن هذه الأوراق مجرد تسجيل لمحطات من حياته، بل شهادة كتبها رجل عاش أحداثاً مهمة وشارك في صنع بعضها، وظل معنياً بفهم ما جرى وتفسير القرارات التي أثرت في مسار التجربة. ومن خلالها لا نتعرف إلى الوقائع وحدها، بل نقترب أيضاً من شخصيته السياسية والتنظيمية، ومن طريقته في تقدير المواقف ومراجعة التجارب وما تركته من دروس وأسئلة.
لم تصلنا هذه الأوراق في صورة مذكرات مكتملة ومتسلسلة، بل كان توما توماس يدونها تباعاً في موضوعات مكتوبة بخط يده، وأرفق بها رسائل شخصية تتضمن توجيهات بشأن مواضع بعض الصفحات والموضوعات وكيفية ربطها وتسلسلها. وقد استغرق جمعها وتدقيقها وترتيبها، بالاستناد إلى تلك التوجيهات، سنوات من العمل، وصولاً إلى إعداد كتاب يتجاوز 420 صفحة. ولم يكن الأمر مجرد جمع للنصوص وإخراجها، بل سعياً إلى تقديمها في صيغة تحافظ على مضمونها وتماسكها، وتتيح للقارئ متابعة الأحداث والتجارب التي سجلها صاحبها.
تبدأ المذكرات بمحطات من حياة توما توماس ونشأته وعمله، ثم تتناول التحولات السياسية التي شهدها العراق، ولا سيما بعد ثورة 14 تموز 1958، وما أعقبها من صراعات وقمع وانعكاسات على الحركة الشيوعية. وتمتد الصفحات إلى تجربته في القوش وبهدينان، وعلاقات الحزب الشيوعي بالحركة الكردية والقوى السياسية الأخرى، وما رافق تلك العلاقات من تفاهمات وخلافات واختلاف في تقدير المواقف والخيارات.
وتكشف بعض المواقف التي يسجلها عن قدرته على تقدير المخاطر والتمسك باستقلالية قراره. ومن ذلك ما يرويه عن ملاحقته في القوش أواخر تموز 1971، بعد اتفاقية آذار. فقد أصر قادة البعث في محافظة نينوى على الالتقاء به في مركز الشرطة، لكنه رفض الذهاب إليه، رغم المحاولات التي بذلها مسؤول مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني محمد رشيد ربتكي لإقناعه. وانتهى الأمر بعقد اجتماع مع وفد من مسؤولي البعث في مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني، تولى الأنصار الشيوعيون خلاله تشديد الحراسة، فيما أبدى البيشمركة حرصاً على حمايته. وبعد انتهاء الاجتماع، انفرد به أحمد الجبوري، عضو فرع نينوى لحزب البعث، وحذره من دخول مركز الشرطة، كاشفاً أن قيادة الفرع قررت اعتقاله ونقله فوراً إلى بغداد. وهكذا أكدت الوقائع وجاهة تقديره للخطر، ولم يكن رفضه مجرد احتياط، بل قراراً استند إلى معرفة بالظروف المحيطة به وبطبيعة السلطة التي يتعامل معها.
ويحتل العمل الأنصاري حيزاً مهماً من الكتاب، بما يتضمنه من عرض لتشكيلات الأنصار ومراحل تطورها، وطبيعة العمل العسكري وعلاقته بالقيادة السياسية، والظروف التي أحاطت بالكفاح المسلح بعد عام 1979. ولا تقتصر المذكرات على استعادة المعارك والتحركات، بل تتناول القرارات التنظيمية والسياسية التي أثرت في مسار التجربة، والصعوبات التي واجهتها في العلاقات بين القيادات والتشكيلات، وفي تقدير الإمكانات والمخاطر.
وفي تناوله لمراحل عمل المكتب العسكري المركزي وتشكيلاته، يناقش توما توماس التغييرات التي طرأت على قيادة العمل العسكري، وما يراه من مشكلات في الاستقرار والانسجام والخبرة، وفي العلاقة بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية. كما يقدم قراءة نقدية لتجربة بشت آشان، متوقفاً عند القرارات التي سبقت أحداث الأول من أيار 1983، واختيار الموقع مقراً عاماً لقيادة الحزب، وصعوبات الدفاع عنه وتأمين خطوط إمداده، وما يراه قصوراً في تقدير مخاطر العلاقة مع الاتحاد الوطني الكردستاني والاستعداد لمواجهة الهجوم. ويتناول كذلك معارك بشت آشان الثانية في أيلول من العام نفسه، عارضاً اعتراضاته على التخطيط لها وتقدير ميزان القوى والظروف التي خاض فيها الأنصار تلك المواجهة.
وتتواصل هذه المراجعات في حديثه عن إبعاد عدد من مسؤولي القواطع عن كردستان تحت عنوان الإجازة، وما أعقب ذلك من قرارات أدت إلى حل القواطع وتغيير بنية قيادة حركة الأنصار ونقل مسؤوليتها إلى منظمة إقليم كردستان. ويربط توما توماس هذه الإجراءات بما واجهته الحركة من صعوبات خلال الهجوم الواسع الذي شنته السلطة عام 1988. ويخصص حيزاً مهماً لما جرى خلال انسحاب الفوج الأول وعوائل الأنصار، منتقداً ما يراه أخطاء في تقدير المخاطر والتخطيط للانسحاب والتنسيق بين التشكيلات، وما ترتب عليها من خسائر بشرية ومصائر مجهولة لعدد من الأنصار وعوائلهم. كما تتناول المذكرات القصف بالسلاح الكيمياوي، والاجتياح التركي، والتطورات التي قادت إلى انتفاضة آذار 1991.
إن ما يمنح هذه المراجعات أهميتها أنها لا تكتفي بوصف الأحداث، بل تحاول تفسير أسباب ما جرى، وتبحث في مسؤولية القرارات والقيادات عن النتائج التي ترتبت عليها. وهي تكشف عن اهتمام توما توماس بالجوانب التنظيمية والعسكرية والسياسية للتجربة، وعن قناعته بأن استذكار التضحيات لا يعفي من مراجعة الأخطاء والاختلالات التي أسهمت في تعثر بعض مراحلها. ولا تخلو هذه القراءة من أحكام وانتقادات حادة، ينبغي التعامل معها بوصفها شهادة صاحبها وتقديراته، تستحق المناقشة والمقارنة بشهادات ووثائق أخرى، وصولاً إلى فهم تاريخي أوسع وأكثر اكتمالاً.
ولا تنحصر أهمية الكتاب في المواقف السياسية والعسكرية التي يسجلها، بل تمتد إلى ما يتيحه من اقتراب من شخصية أحد أبرز المشاركين في تلك التجربة، ومن اهتماماته وطريقة تفكيره وعلاقته بالأحداث التي عاشها. فالأوراق المكتوبة بخط يده، والرسائل التي رافقتها، تمنح القارئ صلة مباشرة بصاحبها، وتذكرنا بأن وراء الوقائع والقرارات أشخاصاً عاشوا ظروفاً قاسية، وتحملوا مسؤوليات كبيرة، واجتهدوا في التعامل مع تحديات لم تكن خياراتهم فيها سهلة أو نتائجها مضمونة.
إن أوراق توما توماس لا تقدم رواية نهائية أو مكتملة لكل ما جرى، لكنها تحفظ جانباً مهماً من ذاكرة مرحلة شديدة التعقيد، وتتيح قراءة التجربة من وجهة نظر أحد الذين عاشوها وأسهموا في صنعها. وتزداد قيمتها حين توضع إلى جانب شهادات الآخرين والوثائق المتاحة، بعيداً عن الاكتفاء برواية واحدة أو تحويل التاريخ إلى سجل للمآثر وحدها.
وفي الذكرى الثلاثين لرحيله، تظل العودة إلى هذه الأوراق شكلاً من أشكال الوفاء لذاكرة توما توماس ولرفاقه الذين خاضوا تجربة الأنصار، كما أنها فرصة لإتاحة هذه الشهادة للأجيال الجديدة، لا باعتبارها ماضياً مغلقاً، بل مادة للمعرفة والتأمل والنقاش. فالتاريخ الذي نحفظه ليس ما نستعيد أحداثه فحسب، بل ما نستطيع أن نفهمه من تجاربه، بما حملته من آمال وتضحيات ونجاحات وإخفاقات، وما تتركه لنا من أسئلة ودروس.