تحتل تجربة الأنصار (الحركة المسلحة للحزب الشيوعي العراقي) مكانة استثنائية في الذاكرة السياسية المعاصرة للشرق الأوسط. لم تكن هذه الحركة مجرد فصيل عسكري يقاتل في بيئة وعرة، بل مثلت ظاهرة سوسيولوجيا وفكرية فريدة التقى فيها الإيديلوجي الأممي بالواقع القومي، والمدني الحَضري بابن القرية الجبلية. من جحيم مدن وسط وجنوب العراق وضغوط الملاحقة، إلى قمم جبال كوردستان الشاهقة، نسج الأنصار ملحمة سياسية وإنسانية امتدت لعقود. نسير في هذه القراءة التاريخية عبر أربعة محاور أساسية لتتبع هذه المسيرة بالتحليل والنقد.
أولاً: البدايات الصعبة (1963) والشرارة الأولى. لم يكن خيار الكفاح المسلح بالنسبة للحزب الشيوعي العراقي خياراً ترفياً أو تنظيرياً، بل فرضته ضرورة بيولوجية وتنظيمية قاهرة لحفظ البقاء. جاء انطلاق الحركة عام 1963 كرد فعل مباشر على انقلاب الثامن من شباط الدموي، الذي أطاح بنظام الزعيم عبد الكريم قاسم. شنت السلطة الجديدة آنذاك، مدعومة بميليشيا الحرس القومي، حملة تصفية دموية غير مسبوقة استهدفت قادة وكوادر وأعضاء الحزب الشيوعي، وأسفرت عن إعدام قادة الحزب التاريخيين وفي مقدمتهم السكرتير العام سلام عادل.
أمام هذا البطش الشامل، انقطعت سبل العمل السري في بغداد والمدن الجنوبية. ولم يجد من نجا من الموت أو الاعتقال مفراً سوى اللجوء إلى التضاريس الحامية في جبال كوردستان العراق. تشكلت النواة الأولى للأنصار في ظروف بالغة القسوة؛ واجه المقاتلون الأوائل شحاً هائلاً في السلاح والتمويل والملبس، وكان الاعتماد شبه كلي على المبادرات الذاتية والدعم المحدود من الفلاحين في القرى الكوردية.
في هذه المرحلة المبكرة، اتسمت العلاقة مع الحركة القومية الكوردية (التي كان يقودها الملا مصطفى البارزاني) بالتعقيد والبراغماتية. فرغم وجود قواسم مشتركة في معاداة السلطة المركزية ببغداد، إلا أن الاختلافات الأيديولوجية وأهداف الصراع خلقت نوعاً من الحذر المتبادل. ومع ذلك، فرضت وحدة المصير تفاهمات ميدانية سمحت للشيوعيين بإنشاء قواعدهم الأولى، وبدء تنسيق عسكري ساهم في تثبيت أقدام الأنصار في تلك البيئة الجديدة.
ثانياً: المحطات والتحولات (السبعينيات والثمانينيات) شهدت حركة الأنصار تحولات بنيوية وفكرية عميقة عبر عقدين من الزمن، تبعاً للمتغيرات السياسية داخل العراق وخارجه. ويمكن تقسيم هذه المسيرة إلى مرحلتين فارقتين.
1. مرحلة التجميد والمهادنة (السبعينيات): بعد توقيع بيان 11 آذار 1970 لمنح الحكم الذاتي لكوردستان، والدخول في "الجبهة الوطنية والقومية التقدمية" عام 1973 بين الحزب الشيوعي وحزب البعث الحاكم، جُمد النشاط العسكري للأنصار بشكل شبه كامل. ركز الحزب جهوده على العمل العلني والسياسي، معتقداً بإمكانية تحقيق تحول ديمقراطي سلمي. غير أن هذا الرهان انهار أواخر السبعينيات عندما جدد النظام البعثي حملات القمع والتنكيل بالشيوعيين.
مرحلة الصعود الشامل والتنظيم العسكري (الثمانينيات): أدت الهجمة الشرسة للنظام إلى نزوح جماعي جديد للشيوعيين نحو الجبال ابتداءً من عام 1979. ومع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، اتخذ الحزب الشيوعي قراراً رسمياً بتبني الكفاح المسلح كطريق لإسقاط الديكتاتورية وتحقيق الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان.
تطورت حركة الأنصار في الثمانينيات من مجرد مجاميع مشتتة للدفاع عن النفس إلى جيش نظامي مصغر ومحترف (قوات الأنصار). تم تنظيم المقاتلين في أفواج وقواطع عسكرية (مثل قاطع بهدينان، وقاطع سوران، وقاطع السليمانية وكركوك). وباتت لديهم مستشفيات ميدانية، ومطابع سرية، وإذاعة تبث من الجبال (صوت الشعب العراقي)، بل وتطورت تكتيكاتهم العسكرية من حرب العصابات الخاطفة إلى شن هجمات واسعة والسيطرة المؤقتة على بعض النواحي ومراكز المدن الصغيرة بالتعاون مع فصائل البيشمركة الكوردية.
ثالثاً: البيئة الجغرافية والاجتماعية تلاحم الهويات. أحد أبرز الجوانب الإنسانية والأدبية في تاريخ الأنصار هو التمازج الاجتماعي الفريد الذي وفرته التجربة. كان الأنصار يمثلون لوحة "موزاييك" مصغرة للهوية العراقية؛ حيث التقى ابن البصرة، والعمارة، والناصرية، والنجف، وبغداد، بابن أربيل والسليمانية ودهوك. التقى في الخندق الواحد الطبيب والمهندس والشاعر والأكاديمي الحامل لأعلى الشهادات من أوروبا، مع الفلاح والمجند الهارب من جحيم الحرب.
شكلت البيئة الجغرافية لكوردستان تحدياً هائلاً لهؤلاء القادمين من بيئات سهلية وحضرية؛ فكان عليهم التكيف مع ثلوج الشتاء التي تقطع الطرق لأسابيع، والمسير الجبلي المضني لساعات طويلة تحت وطأة القصف الجوي والمدفعي، والعيش في مغارات طبيعية (المقرات) تفتقر لأبسط مقومات الحياة الحديثة.
أما على الصعيد الاجتماعي، فكان التلاحم مع المجتمع الفلاحي الكوردي ركيزة أساسية لاستمرار الحركة. حظي الأنصار باحترام شعبي كبير في القرى الكوردية نظراً لالتزامهم الأخلاقي الصارم، وعدم فرضهم إتاوات على السكان، وتقديمهم الخدمات الطبية والتعليمية والتوعوية للفلاحين. غنى الأنصار الأغاني العراقية والريفية الجنوبية في أماسي الجبال، وتعلم ابن الجنوب اللغة الكوردية وارتدى الزي الكوردي التقليدي، مما خلق حالة فريدة من "الأممية العراقية" التي كسرت الحواجز القومية والطائفية.
رابعاً: الدروس المستفادة والتقييم السياسي والإرث التاريخي. توقفت حركة الأنصار عملياً بعد عام 1988، إثر انتهاء الحرب العراقية الإيرانية واستخدام النظام الحاكم للأسلحة الكيماوية في عمليات الأنفال السيئة الصيت، والتي أدت إلى تدمير القرى الكوردية وإجبار الفصائل المسلحة على الانسحاب نحو الحدود الإيرانية والتركية. عند تقييم هذه التجربة سياسياً وعسكرياً، تبرز مجموعة من الدروس والآراء المتباينة.
الإنجازات والمكاسب: نجحت الحركة في الحفاظ على ديمومة وصوت الحزب الشيوعي العراقي كقوة معارضة حية ترفض المهادنة. كما قدمت نموذجاً وطنياً عابراً للانقسامات الإثنية، وأثبتت أن القضية الكوردية هي قضية عموم الشعب العراقي وليست قضية عرقية معزولة.
الإخفاقات والمآخذ النقدية: يرى بعض المؤرخين والمراجعين للتجربة (بمن فيهم أنصار سابقون) أن خيار الكفاح المسلح في بلد تحكمه سلطة شمولية شديدة المركزية والتسليح كالنظام العراقي آنذاك، كان ينطوي على "رومانسية ثورية" عالية وتضحيات بشرية جسيمة دون أفق إستراتيجي واضح لإسقاط النظام من الجبل. كما عاب البعض ارتهان الحركة أحياناً للتحالفات مع الأحزاب القومية الكوردية التي كانت تخضع لتقلبات وصراعات داخلية وإقليمية حادة.
يبقى إرث الأنصار حياً في الأدب والثقافة العراقية؛ فقد أنتجت هذه التجربة ثقافة "أدب الأنصار" من روايات، وأشعار، ومذكرات، ولوحات تشكيلية خطها المقاتلون بدمائهم وأفكارهم وسط الصخور. إنها صفحة ثرية تثبت كيف يمكن للفكرة السياسية أن تتحول إلى أسلوب حياة، وكيف يصبح الجبل ملاذاً للحرية والكرامة الإنسانية في أحلك ظروف الاستبداد.