في زقاق من أزقة الأعظمية ببغداد، حيث تنمو الكلمات كما تنمو الظلال على الحيطان الطينية، وُلد عبود حسن عبود المهنا في العاشر من شباط عام 1952م، ليكون أحد أولئك الذين لم يكتفوا بأن يُشاهدوا المسرح، بل غاصوا فيه، حفروه حفراً، وشكّلوه علماً، حتى غدا من أهم نقاده وباحثيه في العراق.

لم تكن الفنون بالنسبة إليه ملاذًا جماليًا فحسب، بل حقلًا معرفيًا يجب استنطاقه، وتفكيكه، وترميم روحه المتعبة بعد كل عرض. لذلك اختار أن يبدأ من الداخل، من حيث تولد الحركات وتتجسّد الأحاسيس، فالتحق بأكاديمية الفنون الجميلة، جامعة بغداد، متتلمذًا على كبار الفنانين، متشرّبًا كل ما في التمثيل من توتر، وانخطاف، وشهوة معنى.

تخرج عام 1978م، لكنه لم يغادر الخشبة، بل عاد إليها برسالة أكاديمية، فنال الماجستير عام 1982 في التمثيل، ثم توّج تجربته بنيل شهادة الدكتوراه في فلسفة التمثيل عام 2000، وهو اختصاص لا يطرق بابه سوى من يمزجون الفن بالتأمل، والحركة بالفكر، والصوت بالمعنى.

المسرح في عيني مخرجٍ ومفكّر

قبل أن يُعرف ناقدًا وباحثًا، عُرف عبود المهنا مخرجًا تلفزيونيًا لامعًا في إذاعة وتلفزيون العراق منذ عام 1975، فكان وراء الكاميرا ينسّق المشهد، ويُبرز الإيقاع، ويُقارب الكلمة بالصورة. قدّم برامج أصبحت جزءًا من الذاكرة الثقافية العراقية مثل المجلة الثقافية والعلم للجميع وكتاب الشهر وهوايات علمية، وكلها كانت تشتبك مع وعي الجمهور، لا ترفّه عنه فحسب، بل تفتح له أبواب الإدراك.

لم يكن المهنا أسير الاستديوهات، بل طوّف بالكاميرا في الجامعات والهوامش والمدن، فأخرج أفلامًا وثائقية عن الجامعة المستنصرية، وجامعة الموصل، والبصرة، وعن الفلكلور الشعبي في الموصل والرقص الشعبي في الجنوب، كأنه كان يؤرخ للهامش، ويُنقّب عن الصوت الصامت في أعماق الناس.

من المسرح بوصفه عرضًا إلى المسرح بوصفه معرفة

لكن عبود المهنا لم يكتفِ بالإخراج، بل عبر إلى منطقة النقد والبحث الأكاديمي، وسرعان ما أصبح واحدًا من أبرز أعمدة الدراسة المسرحية في العراق. شغل مناصب أكاديمية حساسة: رئيسًا لقسم إعداد المدرسين في الجامعة المستنصرية، ثم رئيسًا لقسم التربية المسرحية في كلية الفنون الجميلة بجامعة بابل، ورئيسًا لنفس القسم في كلية التربية الفنية.

لم يكن إداريًا تقليديًا، بل معلّمًا ومُلهمًا، أشرف على عشرات الرسائل الجامعية، من الماجستير إلى الدكتوراه، ناقش أكثر من ثمانين أطروحة علمية، وتحوّل بفعل ذلك إلى مرجعٍ لأجيال من الطلبة الذين وجدوا في دراساته زادًا معرفيًا وموقفًا نقديًا جريئًا.

مؤلفاته القليلة في عددها، العميقة في محتواها، هي خير ما يُمثل نظرته للمسرح، فقد كتب في "أداء الممثل بين الذاتي والموضوعي"، وهو عمل يُضيء التوتر الخلّاق بين الداخل النفسي للممثل وبين شروط العرض وعيون الجمهور. كما تناول في "أساليب الأداء التمثيلي عبر العصور" تطور الجسد المسرحي كأنماط تعبيرية خاضعة لثقافة الزمن ومناخاته.

آراء الباحثين فيه: نقدٌ ذو رؤيا واستبصار

نظر إليه زملاؤه وتلامذته لا كمجرد ناقد، بل كمؤسس لذائقة أكاديمية رصينة في المسرح العراقي. الباحثون الذين كتبوا عنه أجمعوا على أن عبود المهنا يمسك بالنقد كما يمسك المايسترو بعصا الإيقاع: لا يُكثر من الضجيج، بل يُصوّب، ويضيء، ويثير التفكير.

في المجالس الثقافية، وصفه أحد زملائه بأنه "ناقد لا يُفرّق بين المختبر والخشبة، لأنه يرى المسرح مختبرًا للوعي، والخشبة مرآة للفكر". وفي أطاريح جامعية، استُشهد بمنهجه الذي يزاوج بين التحليل البنيوي والرؤية التاريخية، ويمنح كل عرض مسرحي سياقه المتشابك بين المؤلف والمخرج والممثل والمتلقي.

أثر لا يُمحى، وإن غادر الوظيفة

في عام 2008م، نال درجة الأستاذية، تتويجًا لمسيرة مهنية وعلمية مُضيئة، ثم أحيل إلى التقاعد، لكنه لم يغادر الحقل الثقافي، بل واصل رسالته كعميدٍ لكلية الحلة الجامعة الأهلية، مشاركًا في المؤتمرات، وراعيًا للحركة المسرحية والأكاديمية في بابل وما جاورها.

ينتمي عبود المهنا إلى أولئك الذين لا تنتهي مهنتهم بانتهاء الوظيفة، لأن ما قدّمه للمسرح والنقد العراقي أكبر من أن يُقاس بموقعٍ إداري أو لقبٍ أكاديمي. هو منارة لمن يريد أن يفهم المسرح لا كعرضٍ يُصفق له، بل كوعي يُحرّك السكون.

ان عبود المهنا ليس مجرد ناقد مسرحي، بل رجل جمع بين الفكر والإخراج، بين الصوت والصمت، بين جسد الممثل وعقل المتفرّج. يُمكن أن نُدرجه ضمن النُخبة الثقافية التي آمنت بأن المسرح ليس للفرجة فقط، بل للمساءلة. في عينيه كان العرض سؤالًا، وفي صوته كان النقد مشعلًا، وفي مسيرته ظلّ يحرّض على التفكير، ويُعيد قراءة الخشبة لا كخشبة، بل كعالمٍ كامل يبحث عن خلاص.