هذا أنا…
 أنا تُكدّرني الحياة،
 وإن تصفو
 قلبي على شفتي، ونقيُّ البوح
 غير أنّ الضلوع
* تراقص بين الولادة والموت…

منذ ولادته شعر حسوني أنّه محاط بالحب والاهتمام من قِبل والديه، لذلك لم يكن يفكّر إلا بكيف يقضي وقته باللعب خارج البيت. وحين يعود من المدرسة، يجد الحب يحيط به من كل جانب؛ من والديه وأقاربه. كان ذلك الحب يمنحه طمأنينةً لا يريد أن يفقدها، حبًّا طفوليًا خالصًا

مضت الأيام والسنوات، ودخل عامه الثاني عشر، وهي فترة المراهقة، فغيّر اسمه إلى حسن لأنه أصبح أكبر من اسمه، وبدأ يبحث عن حبٍّ يناسب عمره. كانت الأقرب إليه بنت الجيران

كانت بين الجيران عادات جميلة، كأن يطلب بعضهم من بعض حاجاتٍ تخصّ الأكل أو غيره مما لا يتوفر في البيت. في أحد الأيام جاءت بنت الجيران وطرقت الباب، وكان غير مغلق تمامًا. فتح حسن الباب، والتقت عيناهما بنظرات خجولة. سألت إن كان لديهم*(هاون)

أجاب
 — عليّ أن أسأل أمي

سأل أمّه، فأومأت بيدها إلى مكانه. أخذ الهاون وذهب مسرعًا، راغبًا بخطف نظرةٍ أخرى. سألها بهمس
 — ما اسمك؟

— اسمي سعيدة
 وأضافت
 — أرجعه لكم بعد ساعة

قال
 — مو مشكلة

لكن الساعة بدت له طويلة. كانت الثواني تمرّ ببطء، وقلبه الصغير ممتلئ بفرحٍ لا يعرف سببه. أخذ يفكّر ماذا سيقول لها عند اللقاء الثاني، وتمنّى لو يطلب منها لقاءاتٍ أخرى، سرًّا، دون أن يعلم أحد

وحين سمع طرقات الباب بعد ساعة، أسرع ليفتح بنفسه. كان سلام العيون يسبق الكلام. أعادت الهاون بابتسامةٍ عريضة، وشكرتهم. سأله قلبه قبل لسانه إن كان يستطيع رؤيتها مرةً أخرى، فأجابت بإيماءةٍ خجولة

استمرت العلاقة سنتين، إلى أن اكتشف الأخ الأكبر صورةً لسعيدة في أحد كتب الدراسة. وبّخه محذّرًا من عواقب ذلك على علاقة الجيران، وطلب منه إتلاف الصورة. أتلفها حسن، وفي قلبه غصّة، وهو لا يزال في بدايات حبّ المراهقة، خائفًا من نتائج حبٍّ بريء.

كان قلب حسن لا يزال طريًّا، لم يعرف بعد حبًّا يلامس شغاف القلب ويزرع الهيام والأحلام. شاءت الصدف أن يلتقي بفتاة عن طريق صديقه أحمد. كان حبّ مراسلات، وكتابة مقاطع من أغاني عبد الحليم حافظ أو فريد الأطرش. شعر بلذة الحب، لكن قلبه لم يُمسّ حقًا، وكان القلب يسبق العقل

دخل عامه الثامن عشر، وغيّر اسمه إلى حسّان. صار الحب أكثر جدية، وأصبح العقل يسبق القلب في الاختيار. بحث عن فتاة تناسب أفكاره الجديدة، التي شابها شيء من التطرّف. كان يبحث عن حلمٍ لا وجود له في الواقع

مرّت السنوات دون أن يطرق الحب باب قلبه. وحين بلغ الثانية والثلاثين، بدأ القلب يعاتب العقل، بعد أن أصاب الجفاف بعض شرايينه. اختلّ توازن الجسد، وتنازع العقل والقلب، حتى أقنعه الآخرون أحيانًا أنّ العقل هو الميزان، وأحيانًا أنّ القلب هو الحياة

وأخيرًا مال الجسد مع القلب، بعد أن اقتنع العقل بأن الجسد سيموت ببطء إن لم يجد حبًّا. عندها التقى امرأةً اسمها ياسمين. بدأ القلب ينبض بقوة، وصار الجسد لا يتّسع لفرحه. سنتان من الحب، لكنها بدت لحظاتٍ عابرة من العمر

فقد العقل صوابه من فرط سعادة القلب، فحذّره ونصحه بالهروب، خوفًا من نهاية موجعة. زحف الخوف إلى جسد حسّان، وكان الاختيار صعبًا. اختار العقل، بينما ارتجف القلب بكل شرايينه، بعد أن خابت ظنونه باستمرار الحب

هرب حسّان من الحب، وغيّر اسمه إلى حيران، وترك القلب والعقل مخذولين. لكنه أخيرًا ترك حيرته، واختار حبًّا يسع الجميع، حبًّا يشعّ دون استئذان، كما كان الحب والعطف يأتيانه من والديه حين كان طفلًا…

-------------------------------

الشاعر رشدي العامل*

الهاون: هو وعاء سميك ومجوف يُستخدم لطحن، وسحق*

 التوابل، والأعشاب، لتحويلها إلى مسحوق