4-02-2026

الحياة تمشي جنب الموت... بلا خصام *

لم يكن حسام يفهم سبب التغيير الذي طرأ على أخته سمية، التي أصبحت تقول كلمات وجُملاً فيها حكمة وفطنة عن الحياة لم يسمعها منها سابقًا. ربما عمرها الذي تجاوز الرابعة والسبعين، وتجربة الحياة الطويلة، علّماها الكثير

سمية هي الأخت الكبرى لحسام، قصيرة القامة، حنطية اللون، خدودها مترهلة قليلًا، وخطوط الزمن محفورة تاركة أثرها على وجنتيها. تزوجت في عمر مبكر، في الثامنة عشرة، بعدما أحبت أحد الأقارب خلافًا لرغبة والديها. كان يكبرها باثنتي عشرة سنة، أبيض الملامح، عسلي العينين، شديد الشخصية، وله صفات أخرى لم تكن تعرفها سمية؛ كان يحب النساء ولعب القمار

في الطفولة والشباب، وحتى زواجها، كانت تتمنى أن تكون المفضلة في كل الأشياء البسيطة: الهدايا، النقود، وخصوصًا في الأعياد. لم تكن تفصح عن ذلك بالكلام، بل يظهر على ملامح وجهها زعلٌ وامتعاضٌ وحزن. بعد زواجها ازدادت غيرتها من أختها التي تكبرها بسنتين، بسبب وضعها المعيشي الذي لا يسرّ أحدًا، إذ كان زوجها يبذّر المال على القمار والنساء

ربما الحياة الصعبة ومرارة العيش تمنح الإنسان صبرًا كبيرًا، خصوصًا حين يكون مضطرًا لمواصلة الحياة، ويكون الزوج هو مصدر العيش وسبب البقاء. في البداية تحمّلت الظروف لأجل أبنائها، لكنها بعد ذلك رضيت بكل ما هو موجود، كأن الرضا صار وسيلتها الوحيدة للاستمرار

كانت في أغلب الأيام تنام وهي جائعة، وتُسَلِّك نفسها بالخبز والشاي لسدّ الرمق. مضت الأيام والسنون وهي غير راضية، تردّد دائمًا: هذه هي قسمتي ونصيبي في الحياة. ثم تضيف: لكن زوجي ترك لي حسنة واحدة، وهي التقاعد الشهري، أصبح لي دون أن أحتاج إلى الطلب من أولادي أو غيرهم

تجاوز عمرها العقد السابع، وبرغم أمراضها العديدة من سكر وضغط، لم تكن ترغب أن تأكل كثيرًا. كان الطبيب ينصحها أن تأكل جيدًا وتلتزم بالأدوية، لكنها لم تكن تعير نصائحه أهمية، فكانت تأكل أقل ما يمكن، ولا تأخذ الأدوية بانتظام، كأنها تحاول أن تُخفّف من ثقل وجودها على الحياة

عاتبها أخوها حسام، بعاطفة وحنية
لماذا لا تأكلين وتشربين جيدًا، وتأخذين بنصائح الطبيب؟

قالت له
لا أريد أن آكل كثيرًا، لأنني سأصبح سمينة، وأظن أن هذا غير مناسب

سألها حسام باستغراب: ولماذا غير مناسب؟

قالت بهدوء يشبه الحكمة
حكمتي في الحياة أنني حين أموت تكون جنازتي سهلة الحمل، كالريشة

قال أخوها بحزن، مسايرًا ما تعتقد: الحياة ليست حملاً يا سمية… أنتِ لستِ عبئًا
ممكن بعض الناس يفكرون مثلك، لكن لماذا لا تأخذين الدواء؟

قالت بحزن عميق، ممزوج بحسرة
آه... آه... الحبوب التي تقف حياتي عليها أصبحت لا معنى لها؟

-------------------------------

الكاتبة نعمة المهدي*