26-03-2026

لا تتوقف عن حب الحياة... حتى وان كنت حزينا... ا

تركت أجواء المخيم لديه انطباعات مختلفة. فبالرغم من القلق السائد بين معظم اللاجئين وهم ينتظرون الحصول على الإقامة، إلا أن أول انطباع كان عن النظام الدقيق الذي تتبعه الدولة لمساعدة هذا العدد الكبير من طالبي اللجوء، بتوفير الأكل والعلاج وغيرها. أما الانطباع الآخر فهو الأجواء الاجتماعية الناتجة عن اختلاط مختلف الجنسيات واللغات

ترك لنفسه حرية الاختيار في التعامل مع الآخرين، مبتعدًا عن ماضيه بخطوات ليست بعيدة. وتكوّنت له علاقات جميلة – كما يعتقد – مع أشخاص من جنسيات عراقية وإيرانية وإثيوبية وفلسطينية، رغم اختلاف معتقداتهم وأفكارهم عن أفكاره هو. شعر أن عليه أن ينسجم مع هذا الواقع الجديد، وأن هذه العلاقات مؤقتة ربما تنتهي بخروجه من المخيم

بعد أكثر من شهر، نُقل إلى فندق في منطقة قرب ستوكهولم مع بعض اللاجئين، ومن بينهم أصدقاء كانوا معه في فترة سابقة في العراق. بعد أسبوعين من وجوده في الفندق، شاع خبر بأنهم سيُستدعون للتحقيق

أخذ حسام نفسًا عميقًا. لطالما كان التحقيق هاجس خوف لديه

لفترة عشر دقائق جاء الدور عليه، فنودي باسمه: حسام عباس ناهض. تقدّم إليه المترجم وقال له: تعال معي إلى غرفة المحقق. قال في نفسه: لا بد أن أزيح الطير الذي على رأسي وأضعه على كتفي، لكي أتحدث عن كل ما مررتُ به بحرية

كانت أسئلة المحقق تشعرك بأنه كأي موظف حكومي، يسأل عن بعض المعلومات والأسئلة الروتينية المعتادة
الاسم؟
ومن أي بلد؟
ومن أي بلد أتيت؟

كان لدى حسام عباس ناهض هاجس قلق من أن يُرسل إلى خارج ستوكهولم، وفعلاً تم ذلك، إذ أخبره المحقق بأنه سيتم إرساله إلى مدينة أوميو شمال السويد. لم يعترض على ذلك

حديث المحقق معه بأريحية، وإبلاغه بأنه سيُرسل إلى مكان آخر، بدد قليلاً من قلقه. ركب الحافلة مع عدد كبير من اللاجئين، من ضمنهم بعض أصدقائه من العراق. لكنه لم يذهب مباشرة إلى أوميو، بل أُنزِل في مخيم للاجئين مع بعضهم في سندسفال بشكل مؤقت، ربما بانتظار حصوله على الإقامة. كان المخيم مزدحمًا ومكتظًا باللاجئين، وبشكل خاص الفلسطينيين

لم يبقَ إلا أسبوع حتى أُبلغ بحصوله على الإقامة. حينها انتابه شعور بالفرح الغامض، لكنه كان سعيدًا بهذا الخبر الذي كان ينتظره كثير من اللاجئين. بعد حصوله على الإقامة، أُبلغ بأنه سيُرسل إلى مدينة اسمها أوميو. ركب الحافلة التابعة لمصلحة شؤون اللاجئين مع بعض اللاجئين متجهين إلى المدينة.

وصلت الحافلة إلى المدينة ظهرًا. حال وصوله، أُرسل إلى بيوت خاصة بإيواء اللاجئين الجدد، عبارة عن مبانٍ من طابقين، تسكن كل شقة فيها شخصين. لم يكن يمتلك أي رأي سوى القبول بكل ما يُعطى له

بعد أيام معدودة، التقى بمسؤولي البلدية الذين أعطوه شيكًا بمبلغ معين ليشتري ما يحتاجه من مواد غذائية، إضافة إلى حصوله على شقة كبيرة مكوّنة من غرفتين: صالة كبيرة، وغرفة نوم، وحمام مجهز مع التواليت. كان إيجارها يُدفع من قبل البلدية (الكومون)

لم يخطر في بال حسام هذا الترف أو هذه الامتيازات، وهو لم يقدم لهم شيئًا سوى طلب اللجوء. هذا ما قاله لنفسه. بهذه الإمكانيات التي تتوفر للاجئ، يجب عليه أن يدرس اللغة السويدية، إضافة إلى التزامه بالقوانين الموجودة هنا

بدأ حسام تعلم اللغة السويدية كأي طفل يدخل لأول مرة المدرسة في الصف الأول الابتدائي، ليتعلم حروف لغة جديدة. لم تكن اللغة سهلة؛ وجد بعض حروفها كأنه يمضغ لقمة طعام حارة قليلًا، خاصة أحرفها الثلاثة الأخيرة. حاول أن يبذل جهدًا كبيرًا لتعلم اللغة لكي يستطيع التحدث مع الآخرين. بعد مدة تجاوز المرحلة الأولى

بعدها أُرسل إلى مكتب العمل، وهو مكتب يساعد في إيجاد عمل أو إدخاله في تعليم مهنة، حسب ما يتعلمه الشخص. أُرسل حسام عباس إلى ورشة لتعلم مهنة اللحام لمدة ستة أشهر، دون أن يدفع أي مقابل مادي للدراسة أو التدريب

كان حسام عباس ناهض يفكر بأمرين في بداية الأمر، بعد أن وجد أن الأمور المعيشية تسير بشكل طبيعي، وهي أمور غير متوفرة في بلدان كثيرة أخرى من حيث النظام والقوانين التي توفر الرفاه الاجتماعي للمواطن. الأمر الأول كان تعلم اللغة السويدية، والثاني البحث عن امرأة يرتبط بها للزواج

في المدرسة تعرّف على العديد من النساء والفتيات. عاش حينها صراعًا مع نفسه بين ما يحمله من أفكار قديمة، إذ كان يعتقد أنه من الأفضل أن تكون عراقية في المرتبة الأولى، لأنه ربما يستطيع التفاهم معها بسهولة أكبر. لكنه ترك الأمر للصدفة، سواء من خلال وجوده في المدرسة أو العمل

في إحدى الأمسيات خرج للمشي، ليرى الطبيعة، وربما ليجد ضالته ويلتقي امرأة تبحث عن رجل يسد وحشتها، وهو أيضًا. كان عدد اللاجئين في أوميو ليس كبيرًا، لذلك كان السويديون ينظرون إليهم بشيء من الغرابة

وإذا بامرأة تقول لحسام: مرحبًا (هلوا، هي). توقف برهة وقال: (هلوا) مرحبًا. بدأت الأسئلة بينهما بارتباك، وتعارفا على أسمائهما وماذا يعملوا وأماكن سكناهم. أخيرًا، وقبل الوداع، قالت له
إذا رغبت ان نلتقي، تعال اليوم الساعة السادسة إلى قاعة المسرح المجاورة للمدرسة... ا