صدر حديثا عن دار الفرات للثقافة والاعلام - العراق - بابل 28-3-2026 بالاشتراك مع دار سما للطبع والنشر والتوزيع . كتاب ( النظرية العلوية في حقوق الإنسان  والعدالة الاجتماعية - الفكر السياسي والاجتماعي للإمام علي عليه السلام) . من تأليف : الكاتب المؤرخ الشيخ لفته عبد النبي الخزرجي، من الحجم الوسط وبواقع (420) صفحة .
عند مطالعتي الكتاب شعرت أنني لا اقرأ صفحاتٍ من ورق، بل أفتح نافذةً على ضميرٍ إنساني ظل يقاوم الغبار عبر القرون. لقد حاول الخزرجي أن يزيح الستار عن رؤية متكاملةٍ في فكر الإمام علي (ع)، رؤيةٍ تجعل الإنسان محور الرسالة، والعدالة ميزانها، والمساواة روحها التي لا تموت.
في هذا الكتاب، لا يظهر الإمام علي (ع) بوصفه حاكماً عابراً في تاريخٍ مضطرب، بل يظهر كصوتٍ أخلاقيّ يتجاوز زمنه. صوت يذكرنا أن الإنسان ليس رقما في سجل الدولة، ولا تابعا في ظل السلطة، بل كائن مكرم، له من الحق بقدر ما عليه من واجب.
لا نشعر أننا أمام دراسة تاريخية باردة، بل أمام رحلة في ضمير الإنسان وهو يبحث عن عدالته الضائعة. فالتاريخ هنا لا يقرأ بوصفه أحداثا انقضت، بل بوصفه مرآة كبرى تعكس صراع الإنسان مع الظلم، وسعيه الدائم إلى أن يمنح وجوده معنى يتجاوز الغلبة والقوة.
ومن بين القمم التي ارتفعت في أفق هذا الصراع، ينهض اسم الإمام علي (ع) بوصفه تجربة فريدة في الفكر والممارسة؛ في الكلمة والموقف؛ في الشجاعة التي لا تنفصل عن الرحمة، وفي السلطة التي لا تنفصل عن الضمير.
التاريخ، كما يقدمه هذا الكتاب، ليس دفترا للأيام، بل سيرة إنسانٍ يمشي عبر العصور وهو يحمل أسئلته الكبرى: من يحميني؟ من ينصفني؟ من يرد إلي حقي؟ والتاريخ الحق لا يكتب بحبر القصور، بل بعرق المصلحين ودماء الذين رفضوا أن يكونوا شهود زورٍ على انكسار العدالة.
في هذا السياق، لا تبدو تجربة الإمام علي (ع) حادثة سياسية عابرة، بل منعطفا أخلاقيا في مسار الدولة الإسلامية الناشئة؛ إذ واجه مجتمعا مثقلا بالعصبيات، واقتصادا تتنامى فيه الفوارق، وصراعا على السلطة يهدد المعنى قبل الكيان. ومع ذلك، لم يُساوم على مبدأ المساواة، ولم يبدل العدل بحسابات الربح والخسارة.
النظرية العلوية.. ليست تنظيرا ذهنيا، بل ممارسة يومية. ففي عهده الشهير إلى مالك الأشتر، لا نجد لغة الحاكم المتعالي، بل نقرأ دستورا أخلاقيا يجعل الإنسان مركز الدولة، ويجعل العدالة أساس الحكم. هناك تتجلى رؤية تعتبر الرعية أمانة، والسلطة تكليفا، والمال العام حقا مشتركا لا غنيمة خاصة.
لقد سبقت هذه الرؤية كثيرا من الصياغات الحديثة في تقرير المساواة: المساواة أمام القانون، المساواة أمام القضاء، المساواة في الحقوق المالية، والمساواة في تقلد الوظائف العامة. لكن الفارق الجوهري أن الإمام علي (ع) لم يرفع هذه المبادئ شعارا، بل جسدها واقعا؛ فلم يفرّق بين قريب وبعيد، ولا بين عربي وأعجمي، ولا بين قوي وضعيف. وكان يرى أن الفقر ليس قدرا إلهيا، بل خللا أخلاقيا في توزيع الثروة، وأن الجوع إدانة للمجتمع قبل أن يكون مأساة فردية.
كثيرون وصفوا سياسته بالمثالية، وكأن العدل ترف لا يحتمله الواقع. غير أن تجربته تثبت أن التنازل عن الحق ليس واقعية، بل سقوط أخلاقي. فقد آمن أن الدولة تقاس بعدلها لا بسطوتها، وأن القائد الحقيقي هو من ينتصر على شهوته قبل أن ينتصر على خصومه.
في عهده الإداري نلمح وعياً مبكراً ببنية المجتمع، وتوازن طبقاته، وترابط مصالحه؛ حيث لا صلاح لفئة دون أخرى، ولا استقرار لسلطة تهمل الضعفاء. وتبقى عبارته الخالدة تختصر فلسفة كاملة في حقوق الإنسان: (الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق). إنها جملة تتجاوز حدود العقيدة إلى أفق الإنسانية المشتركة، وتضع وحدة الأصل الإنساني فوق كل انتماءٍ ضيق.
حين نقارن هذه الرؤية ببعض النظريات الحديثة في العدالة الاجتماعية، ندرك أن الإمام علي (ع) انحاز للفقراء والمحرومين كما انحاز كثير من المفكرين لاحقا، لكنه لم يؤسس عدالته على صراع طبقي، بل على ضمير يقظ.
عدالته لم تكن انتقاما من غني، بل إنصافا لفقير. لم تكن ثورة حقد، بل ثورة وعي. في نهاية المطاف، يكشف الكتاب أن الإمام علي (ع) لم يكن يبحث عن سلطةٍ تخلد اسمه، بل عن عدالة تخلّد الإنسان. كان يرى في الإنسان القيمة العليا، وفي كرامته معيار الحضارة. لذلك وقف ضد الامتيازات الوراثية، وضد الترف السياسي، وضد كل شكلٍ من أشكال الاستبداد.
إن (النظرية العلوية) ليست صفحات في كتاب، بل مشروعا أخلاقيا مفتوحا على المستقبل. وفي زمنٍ تتجدد فيه أسئلة الحرية والمساواة، يبقى هذا النموذج شاهدا على أن العدالة ليست حلما مستحيلا، بل خيارا شجاعا يحتاج إلى إرادة نقية.
وهكذا، حين نغلق صفحات الكتاب، لا ينتهي المعنى؛ بل يبقى سؤال العدالة مفتوحا، ويبقى الإنسان كما أراده علي (ع) غاية الدولة، وميزان التاريخ، وروح الحضارة.