لا زلت أتقلب بنومة القيلولة ، أصحو قليلا ثم تسحبني اغفاءة أخرى دون  إرادتي ، أ هو  حلم أم حقيقة  لا أدري .

أم انها لعنة  كابوس أتعبت  روحي وطحنت  انسانيتي  ووأدت  أحلامي وحجبت الشمس عني .   .

رأيت رجالا  كأنهم ضباب الفجر الكثيف  الذي يجعل الصدر  ضيقا حرجا ، نحن خلقنا من أديم الأرض لكني لا أمتلك معلومة أكيدة عنهم  ممن خلقوا .

يؤلمني انهم تتبعوا  خطواتي  ،  مرتبكة  حركاتهم  تتهادى نواياهم   بين روحية  الصادق والكاذب .

،  لا أدري هل ألجأ اليهم أو أنهزم وأختبئ في بيتي الآيل للسقوط  ،  لكني لا أفضل الهروب  والتخلي عن أحلامي . .

كانوا يتقنون صناعة الكلمات أكثر من صناعة الواقع  ، يزرعون العسل على أطراف السنتهم ، ويخفون الشوك في أعماقهم ، فاذا تكلموا صدقهم السامع ولكني لم أجد  سوى سراب من الوعود .  .

لا أفهم اسرار  مكائدهم ، ولم أجرب  بعد خيانة الذات   ، لذلك  هربت . في طرق متعرجة وفوق حافات حادة زلقة حتى  كدت ان أواجه  الموت المحتوم  .

الا اني وجدت  فئة من الناس  قد أحاطوا بهم   ، بإجلال ووقار وهم أنفسهم ممن صفقوا ورقصوا لمن سبقهم

أحتج الشعراء في قصائدهم والكتاب في رواياتهم . ولكنهم لا يقرأون ما نكتب . .

كانوا يمنحون الناس  بركاتهم ووعودهم بزراعة  النخيل  وسوف يمنحونهم   بعضا من ضفائر الشمس الفضية  والناس فاغرة أفواههم دهشة واعجابا ، وربما  تخيلوا  داخل جماجمهم قصورا وآمالا عريضة .والنخل ينتظر حتى أصابه اليأس وملّ من وعودهم الكاذبة .

قالت النخلة الأولى وهي تساقط سعفها بحزن :ـ اما زلت تنتظرين خطاهم  .؟ لقد تناسوا  ظلّنا وجف الماء في عروقنا منذ ان  رحلتْ  قلوبهم  قبل أجسادهم .

تنهدتْ النخلة الثانية ومالت مع الريح  وقالت : ـ كنت أظنهم اذا ضاقت بهم الدنيا سيعودون الينا . نحن من حفظ اسرارهم تحت القمر وغطين طفولتهم  بالرطب والحنين .

قالت الأولى بمرارة  :ـ  انهم  يمرون  من بعيد كالغرباء  ،   كأن تعبنا الطويل لم يكن ، وحتى الطيور هجرتنا لأن يد العناية قد غابت .

قالت الثانية   : ـ البارحة سمعت النخلات يتهامسن يقلن ان الوفاء مات في قلوبهم   وان الأرض تبكي عطشا منذ خانها  الفرات  .  فسكتتا قليلا . وكانت الريح تمشط سعفهما اليابس ، كأنها تواسي نخيلا خذله أصحابه  .

والرجال  يغطون  بنوم  عميق ويحلمون   احلاما  وردية لان عطش النخيل لا يعنيهم  بشيء   .

أصابنا  شعور  بالتوجس منهم  ولكن زاد  تشبثنا  بكبريائنا  المعهود منذ بدء الحضارة  .

جلسنا  فوق  أعشاب خضر ندية   وأمامنا تنساب موجات  الفرات المتخاذلة . واتفقنا     .

ان نمنح  انفسنا  بعضا من  الوقت  ونجد   طريقة مثلى تخلصنا  منهم الى الأبد .

مروا على مواسمنا كالغرباء . قطفوا تعب الأيادي وعلّقوا

أثمار النخيل في اعناقهم .

ثم تركونا حفاة الأرواح . نبحث بين التراب عن ظل حلم كان لنا  ، لم نكن فقراء لكنهم سرقوا دفء النخيل  .

وأطفأوا  آخر قنديل كان ينتظر العدالة . .

شلّوا  حركتنا  تماما .  تيقنا  ساعتها ان الأمور قد ساءت   ولا ندري لماذا غرقنا  بحالة من ذهول  . الا ان  أقدامنا  تشابكت مع جذور النخيل وتشبثت  بها   . .  .

 لجأنا لهم مرغمين  ( كالمستجير من الرمضاء  بالنار)   .    .

لكنهم ببساطة  تغافلوا  وتناسوا وعودهم   وتركوا

الجميع في حيص بيص وهنا   سادت الفوضى .

فاستطالت أذرع سعف  النخيل  حتى غدت كأنها   قضبان حديدية  فرمينا آثار الغرباء  في بئر عميق .  .

وبئرنا  لا يشبه بئر يوسف  !!  لأننا بالتأكيد  قطعنا  طريق القوافل السيارة  .  .

يا الهي كم أدهشني  هذا  الحلم  . ولكن من هم هؤلاء الغرباء  الذين رأيتهم في منامي  .؟؟؟

أنا لا أعرفهم .!!!