في 20 آب 1988، غادرت مقر (زيوه) برفقة الرفيق أبو نادية (مقدام) في اجازة قصيرة الى مقر الفوج الثالث (كَلي هصبه). امضينا هناك خمسة ايام، ثم عدنا في 26 آب 1988 الى مقر (زيوه)، حيث وصلنا عند الساعة الثالثة بعد الظهر.

عند وصولنا، إلتقينا بأفراد مجموعتنا التي كانت تضم: منذر، سلام مروكي، والشهداء (أبو وسن، أبو جواد، وأبو سعد). في تلك الفترة، كانت الاخبار المتداولة تشير الى ان السلطة تستعد لشن هجوم علينا، الا أننا لم نكن نعرف طبيعة هذا الهجوم أو نوع الاسلحة التي قد تُستخدم فيه.

توجهت للاستحمام، بعد أن سلّمني النصير منذر ملابس نظيفة. وبين الساعة التاسعة والعاشرة مساء، حلّقت عدة سمتيات فوق الوادي وقامت بقصف المنطقة بالسلاح الكيمياوي، الا ان القذائف سقطت في مناطق بعيدة عن موقعنا. بعد مغادرة الطائرات، خلدنا الى النوم، حيث تشاركت قاعة فصيل الاسناد مع الرفيقين (أبو وسن وأبو جواد).

في حدود الساعة الثانية عشرة ليلا، بدأ قصف المنطقة بالصواريخ. سقطت الرشقة الأولى بين فصيل الاسناد ومقر القاطع، فاستيقظنا مذعورين. التقطت كلاشنكوفي ورختي استعدادا للخروج من القاعة. في تلك اللحظة بالذات سقطت الرشقة الثانية. حين خرجنا، سمعت (أبو وسن) يصرخ بي: "انبطح، عمودي هذا كيمياوي". أسرعت نحو مجرى الماء، وبللت الجمداني (اليشماغ) بالماء ثم لففته حول وجهي. في تلك الأثناء، سقطت الرشقة الثالثة قرب المطبخ والمخبز. انتشرت رائحة مقرفة جدا، تشبه رائحة السمك أو الثوم المتعفن. والى اليوم، كلما شممت رائحة كريهة، تقفز بي الذاكرة الى ذلك المساء الرهيب.

كان الرفيق (أبو وسن) يعيش حالة من الارتباك الشديد، إذ سبق أن تعرض في السنة السابقة لاصابة بليغة بالسلاح الكيمياوي الذي ألقته طائرات السلطة على مقر القاطع. لذا، أخذ يطلب من الجميع الابتعاد عن المكان بأقصى سرعة، ثم اتجه يسارا نحو السفح المطل على فصيل الادارة، حيث سقط هناك شهيدا متأثرا بغاز الأعصاب.

أما الرفيق (أبو جواد)، فكان يسير الى جانبي قبل أن يسقط قرب السفح المجاور للساقية. ظلّ الرفيق منذر يحثنا على الابتعاد سريعا عن الموقع، لكنه سقط هو الآخر في الجهة التي تضم قبري الشهيدين (أبو فؤاد وأبو رزكار)، اللذين استشهدا قبل سنة جراء غاز الخردل الذي قصف به طيران السلطة البعثية مقر (زيوه).

بعدها شاهدت الرفيق (أبو نادية) قريبا مني، بينما كنا نسرع باتجاه ساقية الماء. وما ان نزلت بضعة أمتار من السفح حتى شعرت بتشنج حاد في ساقي ويدي، ولم أعد قادرا حتى على منع سلاحي من السقوط عن كتفي!. راحت حالتي تتفاقم بسرعة، فطلبت من الرفيق أبو نادية ان يسندني، لكنه عندما حاول مساعدتي وحملي، لم يتمكن من ذلك، فهو مصاب ايضا. حينها شعرت بأن نهايتي قد اقتربت، خاصة بعد ان بدأ التشنج يسري في جميع انحاء جسدي. سقطت من بين يديه طالبا منه النجاة بنفسه، وان ينقل سلامي الى الرفاق. لكنه ردّ قائلا "ساذهب لاجلب البغال لانقاذكم".

سقطت داخل ساقية الماء. ازدادت ألآم جسدي بصورة لا تُحتمل، ثم دخلت في غيبوبة قصيرة، قبل أن أفيق على اوجاع مروّعة. كنت ممددا على بطني، ويداي متشابكتان فوق رأسي، وساقاي متداخلتان ببعضهما داخل تلك الساقية الضيقة التي لا يتجاوز عرضها اربعين سنتيمترا.

في تلك الأثناء، تناهى الى سمعي صوتا الرفيقين سلام وأبو نادية يناديان باسمي، لكني فقدت القدرة على الحركة والكلام. تقيأت كل ما في جوفي حتى خُيّل إليّ أنني اتقيأ احشائي ولساني. شعرت كأن عينيّ قد خرجتا من محجريهما. بعدها انتابني احساس بأني أهوي الى قاع سحيق بلا نهاية. تمنيت لو ان سلاحي بقربي، لأضع حدا لتلك الآلآم الفظيعة. ان أكثر ما كنت أخشاه ان تصل السلطة وتأسرنا ونحن في تلك الحالة من العجز الكامل، لذلك تمنيت الموت على الوقوع في الأسر.

هكذا رحت انتظر نهايتي، بينما تستحضر ذاكرتي الشهيدين (أبو فؤاد وأبو رزكار)، اللذين ساهمت في دفنهما بيديّ. تخيلت قبري الى جوارهما، وقلت في نفسي: "في العام الماضي دفنت رفيقيك بيديك، واليوم سيدفنك الرفاق الى جانبهما."

مرّت أمامي ذكريات طفولتي البائسة، والأحاديث التي كنت اسمعها من أقاربي عن استشهاد أبي وأمي البطوليين، وأنا لا ازال طفلا صغيرا. حدثت نفسي "انني سأموت بشجاعة مثلهما، ومثل الرفيقين (أبو كريم وأبو سحر)، وآخرين كثيرين أحببتهم وأحبوني بصدق ثم رحلوا، ها قد حان وقت رحيلك يا عمودي"!، مع ذلك، لم أستسلم لليأس. حاولت ان افتح قبضتي وارفع رأسي، لكنني شعرت وكأن مطرقة تزن مئة كيلوغرام قد هوت عليّ. وقتئذ، تناهى الى سمعي صوت الرفيق منذر وهو يصرخ بأعلى صوته: "يعيش الحزب الشيوعي، يسقط صدام، المجد للشهداء فهد وسلام عادل."

أعادت إليّ تلك الهتافات التي كشفت عن صلابة الرفيق منذر، شيئا من الأمل بالحياة. مع طلوع الفجر، أحسست بتحسن نسبي في حالتي، وأصبحت قادرا على الحركة من جديد. نهضت بصعوبة بالغة. جلست على حافة الساقية متفقدا جسدي وأعضائي للتأكد من سلامتها. بدأت بتحريك أصابع يدي، لكن الألم كان يخترق رأسي كصعقة كهربائية مع كل حركة.

بعد أن استعدت شيئا من قوتي، فيما هتافات منذر تؤكد لي أنه لا يزال على قيد الحياة، بدأت أنادي بأعلى ما أستطعت: "منذر... وينك حبيبي؟"، ثم استجمعت ما تبقى لدي من قوة ومضيت باتجاه الصوت. وجدته ممددا قرب قبري الشهيدين (أبو رزكار وأبو فؤاد). كانت المسافة بيننا لا تتجاوز ثلاثين مترا، لكنها بدت لي كأنها آلاف الأمتار، وأنا أقطعها بجسد مثقل بالألم. ما ان رآني حتى قال: "عمودي، لا تتركني." فأجبته: "كيف أتركك؟ أنا معك." ثم سألني سؤالا بدا غريبا، ومضحكا حين أتذكره: "عمودي، أنا وين؟ بكركوك؟". بعد ذلك طلب مني طلبا أكثر غرابة: "ارفع تلك الأغصان عن رجلي". حين نظرت الى ساقيه، رأيت مجرد أعشاب خفيفة، الا انه تصورها كأنها جذوع أشجار ثقيلة تمنعه من الحركة. جلست قربه، اخذت أشم تلك الرائحة العفنة الخانقة التي تزكم الأنوف. بعدها طلب مني أن أحمله، فقلت له: "أنا نفسي بحاجة الى من يحملني". لكنه عاد يكرر طلبه بازالة "الأشجار" عن جسده.

استجمعت ما تبقى من قوتي وصفعته على وجهه، علّه يستعيد وعيه ونتمكن من التعاون على الحركة والابتعاد عن المنطقة المشبعة بالغاز، والتوجه صوب مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني. حين تصورت ان منذر قد استعاد شيئا من وعيه، قلت له انني سأذهب سريعا للاطمئنان على بقية الرفاق. استنجد بي ألّا أتركه، فأكدت له أنني سأعود خلال وقت قصير.

خلال تجوالي السريع، عثرت على الرفيق (أبو جواد) وهو يحتضن سلاحه وقد فارق الحياة. حاولت عبثا أن أستثير منه أي رد فعل، قلبته وهززته بقوة، لكن دون جدوى. ودعته بصمت، ثم واصلت طريقي نحو مقر فصيل الاسناد، لأجد أن جميع الحيوانات والطيور في المنطقة قد نفقت.

عدت بعدها الى منذر، وساعدته على النهوض، ثم أسندته الى كتفي وبدأنا بالسير معا. استقبلنا بيشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني. كانت ملامح الخوف والقلق بادية بوضوح على وجوههم. قدموا لنا الحليب، ثم اصطحبونا الى عين ماء لنغتسل ونتخلص مما علق بأجسادنا من آثار الغازات السامة، كما وفروا لنا ملابس نظيفة. بعد فترة، وصلت مجموعة من أنصارنا الموجودين في مقر (كلي ساطور) لاصطحابنا معهم. أذكر منهم: دشتي، سلام، أبو الطيب، وأبو تحسين.

النصير الشيوعي العدد 47 السنة الرابعة حزيران 2026