"حرصت جريدة النصير الشيوعي على توثيق وإبراز محطات مهمة من تاريخ الأنصار الشيوعيين وتجاربهم النضالية والانسانية والابداعية. ومن هذا المنطلق واصلت لقاءاتها مع عدد من الأنصار، ومن بينهم الكاتب والصحفي النصير يوسف هداد (أبو الفوز) الذي استعرض مشكورا جانبا من مسيرته في صفوف الحركة".

جريدة النصير الشيوعي: كيف كانت تجربتكم الأولى، بعد الانضمام إلى حركة الانصار، من التدريب والعمل المكتبي إلى الميدان؟ وما أبرز التحديات والنجاحات التي واجهتموها؟

مع مجموعة من الرفاق، من ضمنهم الشهيدة أحلام والراحل الملازم فائز، وصلنا إلى قاعدة ناوزنك، كأول موقع أنصاري، في 28 أيار 1982.عملت لفترة في مختصة "هيئة الحركات"، التابعة للمكتب العسكري المركزي للأنصار. نُسِّبتُ صيف 1982 للعمل في مكتب الفوج التاسع في السليمانية، وكان مقره في بيتوش، أقرب إلى الحدود الإيرانية، مساعدًا للنصير نصر الدين هورامي، آمر الفوج. وكان إنسانًا دمثًا، محبًا للنكتة، شجاعًا، لكنه ورّطني بالمهام المكتبية، فوجدتُ نفسي حبيس الأوراق والبريد العسكري والحزبي. نجحتُ في إنجاز دورات عسكرية تدريبية للأنصار وللملتحقين الجدد، بالاستعانة بمترجم إلى اللغة الكردية. لم تكن الفترة الأولى سهلة، كنتُ في الخامسة والعشرين من العمر، لي طموحات عالية، لكنني بلا خبرة عملية في الحياة والعمل العسكري، وما درسناه نظريًا في الدورات العسكرية الخاصة لم يكن كله صالحًا للتطبيق على أرض الواقع، مما ولّد العديد من الإشكالات والإحباطات.

انتقال مقر الفوج التاسع من مقره في بيتوش إلى شاربا ژير، ريف السليمانية، حررني كثيرًا، خصوصًا بعد مرافقتي لجولات أنصار السرية الثانية بقيادة الراحل القائد الأنصاري الفذ والشجاع عمر حامد، حيث نشأت بيننا صداقة طيبة. هذه الجولات عملت على تدريبي على أشياء عملية، محاولًا فهم طبيعة الشعب الكردي وثقافته، والانقسامات العشائرية والولاءات السياسية في منطقة عملنا. كما أنجزنا العديد من عمليات الاستطلاع، ورسمنا خططًا لكمائن وغارات على مواقع جحوش وعملاء في المنطقة، وواجهنا ونجونا من كمائن قاتلة، كذلك نجحنا في تنفيذ بعض العمليات العسكرية، منها سيطرة جريئة في وضح النهار على طريق عربت ــ السليمانية، تمكنا فيها من أسر عملاء ورجال مخابرات للنظام الديكتاتوري. بعد سفري للعلاج في إيران، وإجراء عملية لركبة ساقي في خريف 1984، انتقلت إلى مناطق بهدينان، عملت أولًا لعدة شهور في الفوج الثالث، ثم انتقلت إلى الفوج الأول، وبقيت هناك حتى مغادرة أراضي كردستان في خريف 1988.

جريدة النصير الشيوعي: في أي من العمليات والنشاطات القتالية شاركتم؟

كان لي شرف المساهمة في العديد من النشاطات العسكرية، سواء في الاستطلاع أو التخطيط أو التنفيذ، في مناطق السليمانية وبهدينان. أذكر، على سبيل المثال، الهجوم على ربئية القوش عام 1986، حيث اقتحمناها بوقت قياسي لا يتعدى بضع دقائق. كنا مجموعة الاقتحام وتحت تغطية نيران رفاقنا، نجري كأننا في مضمار سباق نحو جدران الربيئة. أذكر أيضًا عملية اقتحام مطار بامرني في أكتوبر 1987، ليس فقط لكوني ساهمت في الاستطلاع ثم عند التنفيذ توجيه ضربات بالأربي جي لمواقع الحراسة الأساسية، ولكن لأني ساهمت، رغم القصف الكثيف للمدفعية، في إسعاف رفيقي أبو جاسم التركماني الذي أصيب، ووقف النزيف في قدمه المتضررة كثيرًا، ثم نقله إلى مكان آمن. وأتذكر أيضًا الأيام البطولية للأنصار في صد الهجوم على مناطق عمل الفوج الأول في الفترة من 5/ 1 / 1987 وحتى 16 /1 / 1987، حيث كان لي الشرف أن أكون في واحدة من أشرس صفحاتها. حيث مع الشهيدين جنان وياسين، تصدينا عن قرب لتسلل قوات الاستخبارات والجحوش شرق قلعة كانيكا.

جريدة النصير الشيوعي: ماهي اهمً القضايا الانسانية التي ظلت في بالكم؟

خلال الأيام الكارثية لحملات الأنفال السيئة الصيت، التي شنها النظام البعثي الفاشي في مناطق مختلفة من كردستان، خصوصًا في فصولها الأخيرة صيف عام 1988، كنت مع رفاقي الأنصار شاهدًا على الأحداث في مناطق بهدينان. عشنا مأساة الحصار في جبل گارة مع سكان القرى الذين لجأوا إلى الجبل طلبًا للنجاة. رصدتُ الأوضاع المأسوية للناس الأبرياء وهم يعانون لأجل الحفاظ على حياتهم، وسجلتُ بعضًا من ذلك في كتابي "أطفال الأنفال" الذي صدر بالعربية عام 2004، وعام 2022 صدر مترجمًا إلى اللغة الكردية من قبل الأستاذ محمد حمه صالح توفيق. تلك الأيام، إذ حاصرت قوات النظام الطرق الأساسية للانسحاب، سرت بين الناس عشرات الإشاعات، منها الخوف من القصف الكيميائي، وعمّ الذعر في كل مكان. ازداد الأمر سوءًا مع قلة المؤن، والأسوأ عدم توفر مياه الشرب، فجبل گارة على سعته وتشعب وديانه وقممه نادرة فيه ينابيع الماء، والينابيع القريبة أصبحت تحت سيطرة قوات النظام. فاضطر الناس لشرب المياه الآسنة، وكان الأطفال مثل الورود يتزاحمون مع البغال لشرب المياه الموحلة. ولم يكن بيد الأنصار أي حل، إذ كنا نعاني مثلهم، بل أكثر منهم، لأننا كنا نشعر بالخجل من مزاحمتهم ومشاركتهم ما يتوفر من مصادر الماء.

النصير الشيوعي: كيف ساهمتم في النشاط الثقافي للانصار الشيوعيين، وما ابرز تجاربكم وانتاجاتكم في الشعر والقصة والمسرح والفن؟

لم يكن الأنصار حملة سلاح فقط، بل كانوا أيضًا حملة فكر ومنتجين لثقافة بديلة مقاومة. فقد شهدت حركة الأنصار نشاطًا ثقافيًا غنيًا ومنوعًا في الشعر والقصة، والمسرح والفن التشكيلي والغناء. وكان لي الشرف أن أساهم بتواضع في ذلك. في فترة وجودي في مناطق السليمانية، لم أنشط كما يجب في المجال الثقافي، إذ كنت منشغلاً بمهام عسكرية وحزبية متعددة. ومع ذلك، لم أتوقف عن الكتابة، وهكذا صدر في خريف 1985 عن (رابطة الأنصار الشيوعيين) مجموعتي القصصية "عراقيون"، بإمكانات الأنصار الطباعية، كأول كتاب أدبي يصدره الأنصار. انتقالي إلى مناطق الفوج الأول وفر لي الفرصة للنشاط الثقافي، وساعد على ذلك كون الفوج الأول يضم الكثير من الأسماء البارزة والناشطة في المجال الثقافي. فكانت هناك عروض مسرحية، أمسيات شعرية وقصصية، معارض رسم، وحفلات غنائية. هناك أنجزت بعضًا من كتبي التي صدرت لاحقًا، مثل: (تضاريس الأيام في دفاتر نصير)ـ المدى 2002، (أطفال الأنفال) ـ السليمانية 2004، و(تلك القرى.. تلك البنادق) ـ أربيل 2007.

النصير الشيوعي: كيف تقيمون تجربة حركة الانصار الشيوعيين العراقيين؟

الرفيق يوسف أبو الفوز: اتفق مع الآراء التي ترى أن تقييم هذه التجربة ينبغي أن يكون عملًا جماعيًا يدرس المرحلة الزمنية وظروفها والعوامل المحيطة بتشكّل الحركة ونشاط الحزب خلالها. ورغم وجود العديد من الملاحظات التي يمكن التوقف عندها، فإن حركة الأنصار ستبقى صفحة مشرقة في تاريخ حزبنا وشعبنا.   

النصير الشيوعي العدد 47 السنة الرابعة حزيران 2026