قبل سبعة واربعين عاما، وتحديدا في مساء السابع من شباط عام 1979، غادرت بيت اهلي ووطني مُكرها بسبب الحملة الدموية والقمعية التي شنها النظام البائد ضد الوطنيين والشيوعيين.
لم تكن مغادرة العراق مهمة سهلة، إذ كان عليّ أولا اقناع عائلتي، لا سيما والدي، بخطورة الوضع والتهديد الحقيقي الذي يحيق بحياتي في حال اعتقالي من قبل اجهزة النظام القمعية. امّا التحدي الثاني، فهو الحصول على موافقة عمادة المعهد الذي كنت ادرس فيه للسماح لي بالسفر.
وافق والدي، رحمه الله، على مضض بعد ان اقنعته بأن غيابي لن يطول، وربما لن يتجاوز بضعة اشهر. اما في ما يخص موافقة المعهد، فقد بدأت بمحاولة اقناع عميد شؤون الطلبة انذاك، البعثي زهير الاشقر، الذي رفض طلبي فورا ومن دون تقديم أي مبرر مقنع. بعد رفضه، وجدت نفسي مضطرا للتوجه مباشرة الى عميد المعهد، الذي لا اتذكر اسمه الان، واختلاق قصة سفر والدتي الى تركيا وضرورة مرافقتها خلال الرحلة. الحقيقة ان والدتي لم تكن حتى تمتلك وثائق عراقية، لكونها تُصنَّف من "التبعية الإيرانية" وفق مفهوم النظام البائد للمواطنة.
نجحت الحيلة!، ووافق العميد واصدر اوامره الى زهير الاشقر بمنحي كتبا عاجلة الى مديرية التجنيد ومديرية السفر والجنسية، خصوصا وان اجازة نصف السنة لم تكن تتجاوز اسبوعين. مع ذلك، رفضت مديرية السفر والجنسية منحي جواز سفر قبل الحصول على موافقة مديرية التجنيد، لتبدأ بذلك حلقة اخرى من التعقيدات البيروقراطية.
اذكر ان زهير الاشقر كان مستاء مني. قال لي بلهجة تهديد واضحة: "تشتغل من ورا ظهري؟ بسيطة.. آني أعلمك من ترجع من السفر".
حصلت على جواز السفر قبل اسبوع واحد فقط من انتهاء عطلة نصف السنة. رافقني خوف دائم من ان يتم إيقافي على الحدود العراقية – التركية بسبب قِصر المدة المتبقية من الاجازة.
كانت لحظة الوداع مع عائلتي مساء السابع من شباط 1979، من اكثر اللحظات ايلاما في حياتي، خصوصا امام دموع والديّ وعناقهما الطويل لي، كأنهما أحسا ان هذه المغادرة لن يعقبها لقاء قريب. حاولت طمأنة اهلي بأن غيابي لن يطول، مستندا الى الاخبار المتداولة داخل التنظيم الحزبي في ذلك الوقت، التي تحدثت عن "ان الرفيق الراحل سكرتير الحزب عزيز محمد طلب، خلال آخر زيارة له الى الاتحاد السوفيتي، من القيادة السوفيتية ممارسة الضغط على نظام البعث لوقف حملته الدموية ضد الشيوعيين العراقيين".
غادرت برفقة أخي الاكبر سلام، وعميَّ المرحومين أبو نوزاد وأبو شوان، الى نقليات العكيلي في منطقة الصالحية. وفي الساعة التاسعة مساء انطلق بنا الباص متوجها نحو اسطنبول، بعد وداع مؤثر ومشحون بالمشاعر مع أخي وأعمامي.
جلست وحيدا في الباص، شارد الذهن، غارقا في التفكير بالمستقبل المجهول الذي كان ينتظرني. لاحظتْ السيدة البلغارية إيفانا، التي كانت جالسة الى جواري، حيرتي وارتباكي، فبادرت بالحديث معي في محاولة للتخفيف من شعوري بالوحدة والقلق.
تبادلنا الحديث باللغة الانكليزية التي تعلمناها في المدرسة، على طريقة "حجي راضي" في مسلسل تحت موس الحلاق. وخلال الحديث، عرفت ان إيفانا تعمل مترجمة بين اللغتين البلغارية والانكليزية في السفارة البلغارية في العراق، وهي في اجازة لزيارة عائلتها في صوفيا، عاصمة بلغاريا. لم أشأ اخبارها بان وجهتي ايضا بلغاريا، وان سفري لم يكن سوى هروب من بطش النظام، خشية ان يسمعنا احد، خصوصا واننا مازلنا داخل الاراضي العراقية.
في صباح الثامن من شباط المشؤوم، عبرنا الحدود العراقية – التركية بعد ان تم احتجازنا لاكثر من ساعتين في نقطة ابراهيم الخليل، حيث خضع الركاب لاجراءات تفتيش وتحقيقات امنية دقيقة، بحثا عن اسماء ممنوعة من السفر.
كانت تلك الرحلة بداية طريق ما زال مستمرا حتى يومنا هذا. الاشهر القليلة التي وعدت بها أهلي تحولت الى سبعة وأربعين عاما، و"الحبل عالجرار". أما حلم العودة، فقد بدأ يتلاشى تدريجيا حتى تبدد تماما بعد سقوط النظام عام 2003.
لقد حلمنا وعملنا طويلا من اجل وطن حر، وحياة آمنة وكريمة لجميع العراقيين، لكن ما حصلنا عليه كبديل فاق أسوأ توقعاتنا. هكذا، تحولت رحلتي الى تذكرة سفر باتجاه واحد..